أميت سيرو
أستاذ المالية في كلية ستانفورد للدراسات العليا في إدارة الأعمال، وهو زميل أول في مؤسسة هوفر.
يعاني النظام المصرفي الأمريكي من منظومة رقابية معقدة، حيث تتشارك جهات رقابية متعددة - على المستويين الفيدرالي ومستوى الولايات - في الإشراف على المؤسسات المالية، ما يؤدي إلى تداخل الصلاحيات وتضارب المصالح في أحيان كثيرة.
ورغم أن هذا الهيكل المجزأ صمم في الأصل لتعزيز الرقابة، إلا أنه أصبح مصدراً للبطء وعدم الكفاءة والتناقض في تطبيق القوانين. وتمثل عودة دونالد ترامب المرتقبة إلى البيت الأبيض فرصة لمعالجة بعض هذه العيوب الهيكلية.
ولعل الانهيار المدوي لبنكي «سيليكون فالي» و«فيرست ريبابلك»، حيث تراشقت الجهات الرقابية بالاتهامات وتأخرت في اتخاذ الإجراءات اللازمة، يكشف عن نظام يكتفي برد الفعل بدلاً من استباق الأزمات. ولقد حان الوقت لطرح تساؤلات جادة حول ما إذا كان هذا الإطار التنظيمي متعدد الجهات الرقابية يعزز حقاً الاستقرار المالي أم أنه أصبح عائقاً أمام الابتكار وسرعة الاستجابة والمساءلة الفعالة.
وتخضع قرابة 70% من البنوك التجارية في الولايات المتحدة، بما فيها بنكا سيليكون فالي وفيرست ريبابلك، لنظام رقابي مزدوج يجمع بين الإشراف الفيدرالي وإشراف الولايات بالتناوب. وتخضع بعض البنوك أيضاً لرقابة هيئات فيدرالية متعددة، مثل مكتب مراقب العملة، والمؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع.
ويرى المؤيدون لهذا النظام أنه يعزز مرونة القطاع المصرفي عبر إتاحة وجهات نظر رقابية متعددة، كما يقلل التدخل السياسي من خلال منح البنوك هامشاً من الحرية في اختيار منظمها الرئيسي، إلا أن لهذا الهيكل المركب تكلفة واضحة، هي التطبيق غير المتسق للقوانين، والمراجعة التنظيمية، والبطء في التصدي للمخاطر الناشئة.
ويقدم انهيار بنك «واشنطن ميوتشوال» عام 2008، الذي يعد أكبر إفلاس مصرفي في تاريخ الولايات المتحدة، درساً بليغاً في هذا السياق، فقد خلص تحقيق أجراه الكونغرس إلى أن سقوط البنك المعروف اختصاراً باسم «واموو» قد تفاقم بسبب التضارب في الإشراف بين مكتب الإشراف على المدخرات والمؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع. وأدى عجز الجهتين عن التصرف بحسم، نتيجة ضعف التنسيق بينهما، إلى السماح للمشاكل بالتفاقم حتى فات أوان معالجتها.
وتكشف التطورات الأخيرة في القطاع المصرفي الأمريكي عن استمرار المشكلات الهيكلية في النظام الرقابي. وفي انهيار بنك سيليكون على سبيل المثال، كان هناك إنذارات مبكرة بالخطر تم تجاهلها، وهي تكبد محفظته الاستثمارية خسائر كبيرة في السندات، واعتماده المفرط على شريحة ضيقة من المودعين.
وهذا التجاهل كان إما لفشل الجهات الرقابية في تطبيق المعايير المطلوبة، أو لتضاؤل فاعلية جهودها بسبب تداخل الصلاحيات. وتشير الدراسات إلى أن مثل هذه التناقضات في النظام الرقابي تخلق ثغرات تستغلها البنوك للقيام بممارسات محفوفة بالمخاطر.
وتمتد هذه المشاكل إلى ما هو أبعد من البنوك لتصل إلى قطاع التكنولوجيا المالية الناشئ. وبينما تقود الشركات غير المصرفية وشركات التقنية المالية موجة ابتكارات في مجالي المدفوعات والإقراض، نجد أن الصراعات على الصلاحيات - سواء بين السلطات الفيدرالية وسلطات الولايات، أو حتى بين الوكالات الفيدرالية نفسها - قد عرقلت تطوير الأطر التنظيمية السليمة اللازمة لهذا القطاع الحيوي.
ويواجه تبسيط المنظومة الرقابية للقطاع المصرفي الأمريكي تحديات جمة، فأي محاولة لدمج الهيئات الرقابية على نطاق واسع تتطلب موافقة الكونغرس، وهو شرط طالما أجهض مساعي الإصلاح الشامل.
ورغم أن إصلاحات قانون دود-فرانك نجحت في إلغاء مكتب الإشراف على المدخرات بعد الأزمة المالية وانهيار بنك «واشنطن ميوتشوال»، إلا أن المحاولات اللاحقة لمزيد من الدمج اصطدمت بمقاومة سياسية شرسة.
كما يبدو من غير الواقعي التفكير في إلغاء النظام المزدوج للرقابة الفيدرالية والولائية الذي ترسخ على مدار عقود.
غير أن هذا لا يمنع إدارة ترامب من اتخاذ خطوات جادة لمعالجة الازدواجية غير المبررة وتحسين التنسيق بين الجهات الرقابية، فيمكنها العمل على دمج المسؤوليات الإشرافية بين الهيئات المختلفة، ومعالجة أوجه القصور في العلاقة بين المنظمين الفيدراليين ومنظمي الولايات، وتطبيق أدوات تقييم موضوعية مثل بطاقة الأداء لمراقبة كفاءة المنظمين.
ولعل المثال الأبرز على هذا التداخل غير المبرر هو خضوع البنوك الوطنية لإشراف مزدوج من مكتب مراقب العملة والمؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع، حيث تجري كل جهة فحوصاً منفصلة للمؤسسات نفسها.
في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة ضبط الحوافز التنظيمية لضمان أن تضع الوكالات الرقابية الاستقرار المالي والإشراف السليم في مقدمة أولوياتها، بدلاً من الانشغال بالمصالح البيروقراطية، كما آن الأوان لإعادة النظر في الاعتقاد السائد بأن زيادة القيود التنظيمية تعني بالضرورة مزيداً من الأمان المالي، فالواقع يشير إلى أن الإفراط في التنظيم يفرض أعباءً مالية ثقيلة، فقد ارتفعت تكاليف الامتثال للقواعد التنظيمية وحدها بنحو 50 مليار دولار سنوياً للمؤسسات المالية منذ 2008، كما يؤثر بشكل غير متكافئ في البنوك الصغيرة.
وبدلاً من الاستمرار في إضافة طبقات جديدة من الإشراف، ينبغي أن يركز الإصلاح على تعزيز المساءلة، بحيث تتحمل البنوك المسؤولية الكاملة عن المخاطر التي تقدم عليها.
ورغم أن النظام المصرفي الأمريكي لا يزال يمثل عصب التمويل العالمي، إلا أن هيكله التنظيمي المتقادم يهدد قدرته على الصمود وثقة الجمهور فيه، لكن من خلال تقليل التعقيد، وتعزيز المساءلة، وإعادة ضبط الحوافز، يمكن بناء إطار تنظيمي أكثر ذكاء وكفاءة يجمع بين الاستقرار والابتكار، ما يمهد الطريق أمام القطاع المالي الأمريكي ليزدهر ويواصل دوره الريادي عالمياً.
