إيان سميث، هارييت كلارفلت، سام فليمنج
يقول مديرو الصناديق إن أسواق السندات دخلت حقبة جديدة من العداء مع الحكومات، حيث يبيع المستثمرون ديوناً سيادية في اقتصادات كبيرة مثل المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، وسط طوفان من الاقتراض.
وأدت ميزانية المملكة المتحدة التي تعتمد على الاقتراض بكثافة في أكتوبر إلى عمليات بيع مكثفة في سوق السندات الحكومية، ما دفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ عام 2008، وتكاليف الفائدة لمدة 30 عاماً إلى أعلى مستوى في هذا القرن.
ودفعت الأزمة السياسية في فرنسا تكاليف اقتراضها لأعلى من تكاليف اليونان، حيث تكافح لتمرير ميزانية تقشف. وفي الولايات المتحدة، تأثر سوق سندات الخزانة بمخاوف من أن الرئيس المنتخب دونالد ترامب سيقترض بحرية ويخفض الضرائب.
القوة الدافعة لهذه التحركات هم مستثمرو السندات الحكومية الذين يتولون مرة أخرى دور المنفذين للانضباط المالي، من خلال المطالبة بعائدات أعلى عندما تتدهور الأوضاع المالية للحكومة.
وقال روبرت ديشنر، مدير محافظ أول في شركة نيوبيرجر بيرمان: «هناك إحياء لنشاط سوق السندات».
وأضاف: الأسواق ليست معتادة على ذلك لأنه يحدث عادة في مجال الشركات، مضيفاً إن الضغط انتقل إلى الدول المدينة.
وساعد الاقتراض المرتفع خلال جائحة «كوفيد» في دفع أعباء الديون إلى الارتفاع الحاد في اقتصادات كبيرة مثل المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة. وسيتجاوز صافي الدين الحكومي
100 % من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة وفرنسا هذا العام، وسيقترب من هذا المستوى في المملكة المتحدة، وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي.
واتسع العجز السنوي، ومن المقرر أن يتجاوز 7 % من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة في عام 2025، كما يقول المحللون. وتستهدف الحكومة الفرنسية عجزاً يراوح بين 5 و5.5 % من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025.
وفي المملكة المتحدة، أضاف قرار حكومة حزب العمال في أكتوبر بتخفيف السياسة مقارنة بالخطط السابقة إلى قلق المستثمرين. وسيبلغ الاقتراض العام نسبة 4.5 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الحالية، وفقاً للتوقعات الرسمية، ثم ينخفض إلى 3.6 % في العام المقبل.
وارتفع العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون في ديون المملكة المتحدة مقارنة بالسندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 2.3 نقطة مئوية الشهر الماضي، وهي أكبر علاوة منذ عام 1990 وحتى أعلى من المستوى الذي تم الوصول إليه بعد الميزانية «المصغرة» المشؤومة لرئيسة الوزراء السابقة ليز تراس عام 2022.
وارتفع الفارق بين فرنسا وألمانيا لأعلى مستوى له منذ أزمة ديون منطقة اليورو، حيث وصل إلى 0.9 نقطة مئوية في نوفمبر. وقفزت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات من 3.6 % في سبتمبر إلى ما يقرب من 4.7 %.
وجاءت هذه التحركات حتى مع بدء البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة - التي عادة ما تكون المحرك الرئيسي لعوائد السندات - مع تلاشي الارتفاع في التضخم بعد الجائحة. وتركز البيع على الديون طويلة الأجل، وهي الأكثر حساسية لحجم الإصدار.
وقالت أبريل لاروس، رئيسة متخصصي الاستثمار في شركة «إنسايت إنفستمنت»: أعتقد أن سوق السندات الحكومية هو الطرف المسؤول في الغرفة. وأضافت إن مستثمري السندات هم عادة أصحاب «همهمة منخفضة في الخلفية» خلال عملية وضع السياسات، لكن الأحداث في المملكة المتحدة وفرنسا أظهرت كيف أنهم بدأوا في زيادة الضغط. وسيخبرون الحكومات عندما تدفع الأمور لأبعد من اللازم.
وأدت عمليات البيع إلى مقارنات مع «حراس السندات»، وهي مجموعة من المستثمرين دفعت إلى تغييرات في السياسة المالية الأمريكية في التسعينيات من خلال رفع العوائد، لكنها كانت خامدة في الآونة الأخيرة. في حين أن التوترات ليست عند هذه المستويات، ويقول مديرو الصناديق إنه كان هناك تحول حاسم بعيداً عن حقبة أسعار الفائدة المنخفضة والتيسير الكمي عقب الأزمة المالية العالمية، عندما كانت عمليات شراء البنك المركزي هي القوة المهيمنة في أسواق السندات.
وقال بيدر بيك فريس، الخبير الاقتصادي في شركة إدارة الصناديق «بيمكو»، التي تدير تريليوني دولار: إن مستويات الدين المرتفعة للغاية في دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا شجعت المستثمرين على استعادة دورهم السابق كـ «شرطة» لتحفيز سياسة مالية مسؤولة. وأضاف: لا تحتاج إلى صدمات كبيرة للسياسة المالية أو أخبار سياسية لتوليد قدر كبير من التقلبات في الأسواق.
ومع بيع الصين بعضاً من مخزونها من الديون الأجنبية، وتقليل البنوك المركزية لميزانياتها العمومية، لم يعد لدينا مشترٍ للسندات غير حساس للسعر، كما قال نيال أوسوليفان، كبير مسؤولي الاستثمار في الحلول العالمية في شركة «ميرسر». وأضاف: إن أسواق السندات هي بشكل أكبر قوة رقابية نتيجة لذلك.
وتقترض عدد من الحكومات بكثافة لمحاولة تعزيز النمو، ويفشلون في طمأنة الأسواق بخططهم لكبح العجوزات المالية. وحذر بنك التسويات الدولية في ديسمبر من أن ارتفاع مستويات الدين أحد أكبر التهديدات، إن لم يكن التهديد الأكبر للاقتصاد العالمي في المستقبل، وكانت تكاليف الاقتراض المرتفعة علامة على أن الأسواق تدرك أنها ستضطر إلى استيعاب المزيد من الديون.
وفي المملكة المتحدة، حذر المستثمرون من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يجعل من المرجح بشكل متزايد أن تنتهك المستشارة راشيل ريفز قواعدها المالية الجديدة عندما يتم إصدار التوقعات الرسمية في مارس.
وخفضت وكالة «موديز» التصنيف الائتماني لفرنسا في ديسمبر، محذرة من حلقة تغذية راجعة سلبية تدور بين أعلى عجز وأعلى عبء للدين وأعلى تكاليف تمويل.
وبدأ نشاط حاملي السندات يترك بصماته حتى على سوق السندات الحكومية الأمريكية البالغ 26 تريليون دولار، حيث يعني وضع الدولار كعملة احتياطية عالمية أن أعداداً كبيرة من المستثمرين حول العالم ليس لديهم خيار كبير سوى شراء سندات الخزانة.
وقالت «بيمكو» الشهر الماضي إنها تخفض انكشافها على الديون الأمريكية طويلة الأجل بسبب مخاوف تتعلق بالاستدامة، مضيفة إن نشاط حراس السندات سيتم الشعور به تدريجياً. وأضافت الشركة: لا توجد مجموعة منظمة من الحراس على استعداد للعمل عند حد معين للدين؛ عادة ما تحدث التحولات في سلوك المستثمرين على الهامش وبمرور الوقت. ورغم ذلك، يقول بعض المستثمرين إن تعهدات ترامب بخفض الضرائب قد تحفز مثل هذا التحول، إذا نفذها بالكامل. وقالت سونال ديساي، كبيرة مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت في شركة إدارة الأصول «فرانكلين تمبلتون»: إذا حاول الجمهوريون وضع كل ما نوقش خلال الحملة، دون دفع ثمن معظمها، فسيثير ذلك حقاً شبح عودة حراس السندات.
