الجيل «زد» يهدد مستقبل شركات التدقيق

العمل عن بُعد خلق تحديات تدريبية
العمل عن بُعد خلق تحديات تدريبية

ستيفن فولي

سلّط تقرير مهم الضوء الشهر الماضي على إشكالية متنامية في قطاع التدقيق المالي الأمريكي، حيث تواجه كبرى شركات المحاسبة تحديات في نقل الخبرات بين الأجيال نتيجة تغيّر ثقافة وطبيعة العمل. واستند التقرير إلى مقابلات مع تنفيذيين وشركاء في أبرز ست شركات تدقيق، هي: «ديلويت»، و«إرنست آند يونج»، و«برايس ووترهاوس كوبرز»، و«كي بي إم جي»، و«جرانت ثورنتون»، و«بي دي أو».

وأظهرت المقابلات مخاوف جدية من فقدان «نموذج التدريب المهني» التقليدي، حيث يتعلم الموظفون الجدد من خبرات كبار المهنيين. وأكد المسؤولون، في مقابلات نشرت دون ذكر أسماء، أن نظام العمل الهجين والعمل عن بعد خلق تحديات تدريبية لم يتم التغلب عليها بعد.

ووصل الأمر في إحدى الشركات إلى اضطرار المديرين والشركاء للقيام بمهام التدقيق الروتينية التي كان ينفذها الموظفون المبتدئون، ما يعني غياب المراجعة المزدوجة الضرورية للتحقق من دقة العمل.

وأصبحت تحديات التعامل مع جيل «زد» - الذين ولدوا بين عامي 1997 و2012 - ظاهرة شائعة في معظم الشركات مع توافدهم إلى سوق العمل، غير أن هذه التحديات تثير قلقاً خاصاً في شركات التدقيق المالي نظراً لدورها المحوري في النظام المالي. وكشف تقرير أصدره مجلس مراقبة حسابات الشركات العامة الأمريكي الشهر الماضي يرصد فيه أسباب الزيادة الملحوظة في أخطاء التدقيق بعد الجائحة.

ورغم استقرار معدل الأخطاء العام الماضي وبدء تراجعه، يرى المجلس أن المستوى الحالي لا يزال مرتفعاً بشكل خطير، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المدققين على اكتشاف الأخطاء أو حالات الاحتيال المحتملة في الشركات العامة.

وشدد المجلس على أهمية الثقافة المؤسسية في ضمان جودة التدقيق، موضحاً سبب تركيزه على هذه القضية. كما أكد أن قادة شركات التدقيق يتحملون مسؤولية مباشرة في ترسيخ ثقافة تضمن التزام المهنيين بثلاثة مبادئ أساسية: الاستقلالية في اتخاذ القرار، والنزاهة في العمل، والنظرة النقدية المهنية.

كذلك لاحظ التقرير تحولاً جذرياً في نظرة الأجيال الجديدة للعمل في قطاع التدقيق المالي. فبينما كان الجيل السابق يرى في هذا المجال مساراً مهنياً طويل الأمد، يميل الشباب اليوم إلى النظر إليه كمجرد وظيفة مؤقتة يمكن تغييرها متى ما ظهرت فرص أفضل.

ويرتبط هذا التحول بظاهرة مقلقة في شركات التدقيق المالي، حيث تبين أن الشركات التي تعاني من أعلى معدلات القصور في أدائها خلال السنوات الأخيرة، هي نفسها التي تعتمد بشكل كبير على توظيف مديري وشركاء من شركات منافسة، بدلاً من الاعتماد على الكفاءات التي نشأت وتطورت داخل الشركة نفسها. وهذا يؤكد أهمية الاحتفاظ بالموظفين وتنمية مواهبهم لضمان جودة الأداء وترسيخ ثقافة مؤسسية قوية.

ويواجه قطاع المحاسبة والتدقيق المالي تحديات كبيرة في استقطاب المواهب الشابة، خاصة مع المنافسة الشرسة من قطاعي التكنولوجيا والخدمات المالية، والتي تقدم رواتب ومزايا أفضل بكثير. وتسعى شركات المحاسبة جاهدة للتخلص من صورتها النمطية المرتبطة بساعات العمل الطويلة والمرهقة، وخاصة خلال ما يُعرف بـ«موسم الذروة»، وهي الفترة التي تلي نهاية السنة المالية حيث تتكثف أعمال التدقيق والمراجعة.

وتواجه شركات التدقيق العالمية معضلة حقيقية في تحسين جودة خدماتها، وهو ما يعكسه احتلال شركتي «بي دي أو» و«إرنست آند يونج» مراكز متأخرة في النصف الأدنى من تصنيف الجودة الذي يصدره مجلس مراقبة حسابات الشركات العامة خلال العامين الماضيين، مع تسجيل أعلى معدلات للأخطاء والقصور في عمليات التدقيق.

ولمعالجة هذه المشكلة، لجأت الشركتان إلى ما يعرف بـ«مركزية وتوحيد إجراءات التدقيق». لكن هذا الحل اصطدم بتحد آخر: فجيل «زد» - الذين ولدوا بين عامي 1997 و2012 - لا يرى في الأعمال النمطية والإجراءات الموحدة ما يلبي طموحاته وأحلامه المهنية.

لأن هذا النهج قد يؤدي إلى تحويل مهنة التدقيق من عمل يعتمد على الخبرة والحكم المهني إلى مجرد قائمة إجراءات روتينية.

يضاف إلى ذلك أن العمل في تدقيق الشركات المدرجة في البورصة أصبح أقل جاذبية من أي وقت مضى، إذ يقر تقرير المجلس نفسه بأن رقابة مفتشيه تزيد من ضغوط العمل، مع احتمال تعرض المسار المهني للموظف لضرر كبير في حال ارتكاب أي خطأ.

ولجأت العديد من شركات التدقيق إلى ما يعرف بـ«التعهيد الخارجي»، حيث يتم تحويل المهام الروتينية والإجراءات المحاسبية البسيطة إلى مراكز خدمات في الهند ودول أخرى. غير أن هذا التوجه يخلق مشكلة جديدة: فالمهام الروتينية، رغم بساطتها، تشكل المرحلة التأسيسية في تدريب المحاسبين الجدد، حيث يتعلمون من خلالها أساسيات العمل المحاسبي وإجراءات الأعمال. وهو ما دفع عدداً من كبار المهنيين إلى التعبير عن قلقهم من فقدان ما يشبه نظام «التلمذة المهنية» التقليدي.

وتقود مجموعة من شركات التدقيق التي تتبنى الرؤى الاستشرافية ثورة في أساليب العمل المحاسبي.

فبدلاً من الاكتفاء بتحديث الأساليب القديمة، تعمل هذه الشركات على إعادة تصميم عملية التدقيق المالي بالكامل، حيث يتم جمع البيانات المالية وتحليلها والتحقق منها بشكل فوري ومستمر. كما يتم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة لاكتشاف أي انحرافات أو حالات غير طبيعية في البيانات المالية.

وهذا التحول سيغير طبيعة عمل المدققين، إذ سيتمكنون من التركيز على التحقق من «العلامات التحذيرية» التي تكتشفها هذه الأنظمة، والتعامل مع القضايا المحاسبية المعقدة التي تحتاج إلى خبرة بشرية وحكم مهني متخصص. ويعد هذا التحول الجذري في مهنة التدقيق ضرورة ملحة لا تحتمل التأخير.