أولاف ستوربيك
تواجه السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي انتقاداتٍ متزايدة بسبب بطء وتيرة خفض أسعار الفائدة، وذلك وفقاً لاستطلاعٍ أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» شمل نخبة من خبراء الاقتصاد. ويأتي ذلك في ظل حالة الركود التي يعانيها اقتصاد منطقة اليورو، والتي تتطلب تدخلاً سريعاً وفعالاً.
وقد أظهر الاستطلاع أن قرابة 46% من الاقتصاديين يعتقدون أن قرارات البنك المركزي الأوروبي لا تواكب الواقع الاقتصادي الراهن، في حين أعرب 43% عن ثقتهم في أن السياسات النقدية للبنك تسير في الاتجاه الصحيح. أما بقية المشاركين في الاستطلاع، فقد امتنعوا عن الإجابة أو لم يبدوا رأياً واضحاً، بينما لم يشر أي من خبراء الاقتصاد إلى أن البنك المركزي الأوروبي قد اتخذ خطواتٍ استباقية تلبي احتياجات المرحلة الراهنة.
ومنذ يونيو الماضي، اتخذ البنك المركزي الأوروبي سلسلة إجراءات لتخفيف الضغوط الاقتصادية، حيث خفض أسعار الفائدة أربع مرات متتالية، لتنخفض من 4% إلى 3%. ويأتي هذا التحرك استجابة للتراجع السريع وغير المتوقع في معدلات التضخم، لكن يبدو أن هذه الخطوات لم تكن كافية لوقف التدهور المستمر في الآفاق الاقتصادية لمنطقة اليورو.
وفي تطور لافت، اعترفت كريستين لاغارد، التي تقود البنك المركزي الأوروبي، بأن منطقة اليورو ستحتاج إلى مزيد من خفض أسعار الفائدة، خاصة مع التوقعات المتشائمة حول نمو اقتصادها.
وتظهر توقعات صندوق النقد الدولي الأخيرة أن اقتصاد منطقة اليورو سينمو بنسبة 1.2% العام الجاري، مقارنة بنسبة 2.2% في الولايات المتحدة. بينما يعكس استطلاع لصحيفة فاينانشال تايمز تشاؤماً أكبر، حيث يتوقع الاقتصاديون نمواً لا يتجاوز 0.9%.
ويرى المحللون أن التفاوت في معدلات النمو بين منطقة اليورو والولايات المتحدة سيؤدي إلى انخفاض كبير في أسعار الفائدة بمنطقة اليورو مقارنة بتكاليف الاقتراض الأمريكية بحلول نهاية العام.
ومن المتوقع أن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتين فقط بواقع ربع نقطة مئوية في العام المقبل، بينما تشير التوقعات إلى أن البنك المركزي الأوروبي سيخفض الفائدة 4 إلى 5 مرات، كل منها بمقدار 25 نقطة أساس، بحلول نهاية 2025.
وحذر إريك دور، أستاذ الاقتصاد في كلية «إيسيج» للإدارة في العاصمة الفرنسية باريس، من أن مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي الحقيقي في منطقة اليورو أصبحت واضحة وآخذة في التزايد.
وانتقد دور السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، قائلاً: إن «البنك كان بطيئاً للغاية في خفض أسعار الفائدة»، موضحاً أن هذا التباطؤ يلحق الضرر بالنشاط الاقتصادي في منطقة اليورو. وأضاف أنه يرى «احتمالاً متزايداً لتراجع معدل التضخم إلى مستوى أقل» من الهدف الذي حدده البنك المركزي عند 2 %.
وأشار كارستن يونيوس، كبير الاقتصاديين في بنك «جي سافرا ساراسين»، إلى أن آلية اتخاذ القرارات في البنك المركزي الأوروبي تتسم بالبطء مقارنة بالبنوك المركزية الرئيسية الأخرى، وتحديداً الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك الوطني السويسري.
وأرجع يونيوس هذا البطء إلى عدة عوامل، منها ما وصفه بـ«أسلوب القيادة القائم على التوافق» الذي تتبعه كريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي، فضلاً عن «العدد الكبير من صناع القرار في مجلس المحافظين». ولفت إريك نيلسن، كبير الاقتصاديين في المجموعة المصرفية «يوني كريديت»، إلى أن البنك المركزي الأوروبي قدم تبريراً لقراراته برفع أسعار الفائدة بشكل حاد خلال فترة الجائحة، مؤكداً أن الهدف كان السيطرة على توقعات التضخم التي كانت تهدد استقرار الأسعار في منطقة اليورو.
وأضاف أنه كان ينبغي على «المركزي الأوروبي» خفض أسعار الفائدة بأسرع ما يمكن ـ وليس بخطوات تدريجية صغيرة ـ بمجرد زوال المخاوف من خروج توقعات التضخم عن السيطرة، وأضاف أن السياسة النقدية لا تزال مقيدة بشكل كبير للغاية، على الرغم من أن معدلات التضخم قد عادت إلى مستوياتها المستهدفة.
وفي ديسمبر الماضي، وبعد أن خفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة للمرة الأخيرة في عام 2024، أعلنت كريستين لاغارد أن «المسار واضح»، وللمرة الأولى لمحت إلى إمكانية خفض أسعار الفائدة في المستقبل، وهو توجه طالما اعتبره المستثمرون والمحللون أمراً بديهياً.
إلا أن لاغارد امتنعت عن تقديم أي مؤشرات حول سرعة وموعد التخفيضات المقبلة، مؤكدة أن البنك سيتخذ قراراته بناءً على تقييم الأوضاع في كل اجتماع على حدة.
وبحسب الاستطلاع توقع 72 خبيراً اقتصادياً أن يتراجع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.1% في العام الجاري، وهو مستوى يتجاوز بقليل الهدف الذي حدده البنك المركزي الأوروبي ويتوافق مع توقعاته ـ قبل أن ينخفض إلى 2% في 2026، متجاوزاً توقعات البنك المركزي بـ0.1 نقطة مئوية.
كما أظهر الاستطلاع أن غالبية الخبراء الاقتصاديين يتوقعون أن يواصل البنك المركزي الأوروبي مساره في خفض أسعار الفائدة خلال 2025، مع خفض إضافي لسعر الفائدة على الودائع بمقدار نقطة مئوية كاملة ليصل إلى 2 %. غير أن نسبة ضئيلة فقط من الخبراء المشاركين في الاستطلاع، تبلغ 19%، تتوقع أن يستمر البنك المركزي في خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026.
ويبدو الاقتصاديون أكثر تحفظاً من المستثمرين في توقعاتهم لخفض أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي. فمن بين 72 خبيراً اقتصادياً شملهم الاستطلاع، يتوقع 27 خبيراً فقط أن تنخفض الأسعار إلى النطاق الذي يراهن عليه المستثمرون والذي يتراوح بين 1.75 و2%. وتجدر الإشارة إلى أنه ليس كل الاقتصاديين يرون أن البنك المركزي كان متباطئاً في قراراته. فقد صرح ويليم بويتر، كبير الاقتصاديين السابق في مجموعة «سيتي» سابقاً ويعمل حالياً مستشاراً اقتصادياً مستقلاً، بأن «أسعار الفائدة الحالية للبنك عند 3% تُعتبر منخفضة جداً».
وأوضح بويتر أن التضخم الأساسي لا يزال مرتفعاً عند 2.7%، وهو مستوى يتجاوز بشكل ملحوظ هدف البنك المركزي البالغ 2%، كما أشار إلى انخفاض معدل البطالة إلى مستوى قياسي غير مسبوق عند 6.3% في منطقة اليورو.
كما كشف الاستطلاع أن فرنسا - وليست إيطاليا - باتت هي الدولة الأكثر عرضة في منطقة اليورو لخطر الانهيار الحاد في قيمة سنداتها الحكومية.
ويأتي هذا التقييم وسط اضطرابات تشهدها الأسواق المالية الفرنسية بسبب أزمة سياسية حادة نتجت عن خطة تقشفية مثيرة للجدل قدمها رئيس الوزراء السابق ميشيل بارنييه لخفض العجز في الموازنة، والتي أدت في النهاية إلى سقوط حكومته.
وتظهر نتائج الاستطلاع تحولاً دراماتيكياً في ثقة المستثمرين، حيث يرى 58% من المشاركين أن فرنسا هي مصدر القلق الرئيسي حالياً، بينما لا يرى سوى 7% فقط أن إيطاليا هي الأخطر، وهو تغير جذري عن الوضع قبل عامين حين كان تسعة من كل عشرة خبراء يشيرون إلى إيطاليا كمصدر الخطر الأكبر.
وحذرت لينا كوميليفا، كبيرة الاقتصاديين في شركة الاستشارات المالية «(جي+) إيكونوميكس»، من أن حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها فرنسا حالياً تغذي مخاطر متعددة، أبرزها صعود السياسات الشعبوية وارتفاع مستويات الدين العام، ما قد يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وزيادة التقلبات في الأسواق المالية. غير أن أولريكه كاستنز، كبيرة الاقتصاديين في شركة إدارة الأصول الألمانية «دي دبليو إس»، تبدو أكثر تفاؤلاً، مؤكدة ثقتها في أن الوضع لن يخرج عن نطاق السيطرة. وأوضحت أن الوضع الحالي يختلف عن أزمة الديون السيادية التي شهدتها منطقة اليورو في العقد الماضي، إذ يمتلك البنك المركزي الأوروبي اليوم أدوات وخيارات متعددة للتدخل.
ورغم المخاوف المتزايدة بشأن الوضع في فرنسا، يجمع الاقتصاديون على أن البنك المركزي الأوروبي لن يضطر للتدخل في أسواق السندات بمنطقة اليورو خلال عام 2025.
وتوقع 19% من المشاركين في الاستطلاع أن يلجأ البنك المركزي الأوروبي إلى استخدام أداته الطارئة لشراء السندات، المعروفة باسم «أداة حماية الانتقال»، خلال العام المقبل.
وفي هذا السياق، قال بيل ديفيني، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في «بنك إيه بي إن أمرو»: رغم وجود احتمالات قوية لحدوث اضطرابات في أسواق السندات الفرنسية، إلا أن البنك المركزي الأوروبي سيضع على الأرجح شروطاً ومعايير صارمة قبل اتخاذ قرار بتفعيل هذه الأداة الاستثنائية.
