كريج كوبن - رئيس عالمي لأسواق الأسهم في بنك أوف أمريكا سابقاً، والمدير التنفيذي لشركة «سيدا إكسبيرتس»
أعاد الارتفاع المذهل الذي سجلته «بيتكوين» هذا العام السؤال المعضلة مرة أخرى لتصدّر الواجهة في «وول ستريت»: إلى أي مدى يمكن للبنوك الاستثمارية المضي في دعم عمليات جمع رؤوس الأموال المرتبطة بالعملات المشفرة؟ وقد كشفت صفقات حديثة عن حدوث تحوّل عميق في التفكير.
ومنذ وقت ليس ببعيد، كانت البنوك الكبرى تحتفظ بمسافة كبيرة بينها وبين العملات المشفرة. كان للقطاع سمعة مثيرة للجدل، وكان قادة البنوك صريحين في ازدرائهم لها. ووصف رئيس بنك جيه بي مورجان، جيمي ديمون، البيتكوين بأنه «احتيال استثماري». وزادت المخاوف التنظيمية من فتور العلاقة. وتركت صفقات العملات المشفرة للبنوك الاستثمارية الأصغر.
لكن الزمن تغير. ومثلت موافقة لجنة الأوراق المالية والبورصات على صناديق الاستثمار المتداولة للبيتكوين في يناير 2024 نقطة تحول. علاوة على ذلك، من المحتمل أن يؤدي انتخاب دونالد ترامب إلى تشكيل لجنة أوراق مالية وبورصات أكثر تسامحاً مع العملات المشفرة، على عكس التشكك الذي اتسمت به الهيئة تحت رئاسة جاري جينسلر.
ومع تضخم حجم الصفقات، توسعت قائمة البنوك المشاركة، إذ تولى بنكا باركليز وسيتي جروب إصدار سندات قابلة للتحويل لصالح شركة «مايكروستراتيجي» أحد أكبر المستثمرين في البيتكوين. وساعد «جولدمان ساكس» شركة «أبلايد ديجيتال» المتخصصة في مراكز البيانات لتعدين البيتكوين في جمع التمويل. بينما تولى «جي بي مورجان» إصدار سندات ضخمة قابلة للتحويل لمجموعات التعدين والبنية التحتية للبيتكوين مثل «كور ساينتيفيك»، و«مارا»، و«آيرن».
وبينما تتناقش البنوك حول ما إذا كان عليها الانغماس بشكل كامل في هذا المجال أو التريث، فإن السؤال المركزي هو: هل يمكنك إحكام الجوانب القانونية لهذه الصفقات إلى أقصى حد، وتكديس نشرة الاكتتاب بعوامل المخاطرة والقول إن الأمر على ما يرام؟ أم أن الارتباط كما يراه الكثيرون قطاعاً مضارباً بشكل كبير يعد مخاطرة كبيرة للغاية؟
الإجابة ليست نعم أو لا، فهي تقع في طيف يعكس قدرة كل بنك على تحمل المخاطرة، والنظرة الاستراتيجية المستقبلية. ومن الواضح أنه لا ينبغي النظر أيضاً إلى كل شركات العملات المشفرة أنها تقف على قدم المساواة. فمنصة تداول مرموقة مثل «كوينبيس» تختلف في مخاطرها عن شركات التعدين أو شركة استثمارية مثل «مايكروستراتيجي». كما تتفاوت المخاطر المتعلقة بالسمعة حتى ضمن الفئة الواحدة من الشركات.
وتثير حالة «مايكروستراتيجي» ومؤسسها المشارك مايكل سيلور تساؤلات مهمة. فرغم تورطهما في تسويات مالية ضخمة، دون إقرار بالمخالفة، في قضيتين بارزتين: الأولى مع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية عام 2000 بشأن مزاعم احتيال محاسبي، والثانية مع المدعي العام لمقاطعة كولومبيا في يونيو 2024 حول احتيال ضريبي. ورغم أن مثل هذا السجل يستدعي عادة مراجعة دقيقة من الإدارة العليا لمعايير قبول العملاء، إلا أن بنكي باركليز وسيتي جروب قد تجاوزا هذه المخاوف.
إذا كان كل هذا يبدو مألوفاً، فذلك لسبب وجيه. لنأخذ شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة، أو ما يعرف بـ «سباكس». بعد أن نبذتها بعض البنوك الكبرى باعتبارها أدوات دعائية، احتضنتها «وول ستريت» خلال طفرة 2019-2021. لكن سرعان ما تراجعت البنوك بحلول منتصف عام 2022، عندما ظهرت مخاوف تتعلق بالسمعة. جمع رؤوس الأموال للعملات المشفرة يشبه هذا الوضع، وهي منطقة حدودية متقلبة تطارد فيها البنوك رسوماً ضخمة وحصصاً سوقية، وتستعد لردود فعل سلبية محتملة على سمعتها في الوقت نفسه.
أياً كان، فدوافع هذه القرارات مختلفة، في الوقت نفسه، تلوح المخاطر القانونية في الأفق، ويفقد المستشارون القانونيون القدرة على النوم بسبب التعرض للمساءلة القانونية إذا فشل المشروع. يضاف إلى ذلك عبء الرقابة الإعلامية المكثفة، إذ تتجنب الشركات بشدة أي تغطية إعلامية سلبية قد تضر بسمعتها.
غير أن المخاطر ليست العامل الوحيد المؤثر في القرارات. فالرسوم تلعب دوراً حاسماً، وقد بلغت مستويات قياسية في أسواق رأس مال البيتكوين، إذ تشير بيانات «آي إف آر» إلى إصدار سندات قابلة للتحويل في قطاع العملات المشفرة بقيمة تتخطى 13 مليار دولار خلال 2024، معظمها خلال الربع الأخير. وتترجم هذه الأرقام إلى محفظة رسوم تتجاوز 200 مليون دولار. أما صفقة «مايكروستراتيجي» لإصدار أسهم بقيمة 21 مليار دولار، فتقدم للبنوك المنفذة رسوماً بنسبة 2%. وأمام هذا الحجم من العوائد المحتملة، يبدو التمسك بالمخاوف المتعلقة بالسمعة رفاهية يمكن التخلي عنها.
لكن يظل هناك قانون غير مكتوب في عالم البنوك، وهو الحفاظ على الثقة في القطاع. بعض الأعمال، مثل صناعة الترفيه للبالغين، هي صناعة منبوذة رغم قانونيتها. بالمثل، تجد شركات القنب صعوبة في الحصول على دعم البنوك الكبرى لإصداراتها. هذا التردد لا ينبع من اعتبارات أخلاقية، بل من المخاوف المتعلقة بالصورة العامة، إذ يدرك المصرفيون أن بعض القطاعات تثير انتقادات تفوق عائداتها المحتملة.
لكن بمجرد أن تبدأ بعض البنوك في كسر هذه القاعدة، يتزايد الضغط على البنوك الأخرى لتحذو حذوها، فالتحرك الجماعي أكثر أماناً؛ إذ لن يتم استهداف بنك بعينه إذا ساءت الأمور. كما يلعب الدافع التنافسي دوراً مهماً. فلا أحد من المصرفيين يريد أن يشرح لرؤسائه سبب إخفاقه في تحقيق المستهدفات المالية أو التراجع في التصنيفات المصرفية.
باختصار، لا تعكس المشاركة موقفاً من العملات المشفرة، بل تقدم نظرة على معايير البنوك الاستثمارية الثلاثة في اختيار صفقاتها: المخاطر والمكاسب والسمعة. وتجري القيادات العليا تقييماً مستمراً، تزن فيه المخاطر القانونية والإعلامية والتنظيمية، إضافة إلى ضغوط المنافسة، لرسم حدود «المقبول». ومع تحول البيتكوين من النطاق الهامشي إلى الرئيسي، تتقدم البنوك الكبرى في هذا المضمار تدريجياً، صفقة تلو الأخرى.
