أنجلي رافال
تشكل إدارة التداعيات نتيجة الأخطاء الداخلية بالنسبة للشركات الكبرى، بداية من الاستجابة الفاشلة للأزمات السياسية مروراً بسوء سلوك المسؤولين التنفيذيين، أمراً عسيراً، إلا أن الحفاظ على السمعة يزداد صعوبة حالياً.
وكان الأمر صعباً بما يكفي عندما كانت الأزمات التي تواجهها الشركات أكثر ارتباطاً بأحداث أو قرارات حقيقية. أما الآن، فيمكن للأكاذيب والمعلومات المضللة أن تعرقل الشركات.
حيث للتزييف عبر الإنترنت أن يتشكل وينتشر بسرعة لم يسبق لها مثيل. وأدى استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد زائفة، مثل مقاطع الفيديو بتقنية التزييف العميق، إلى زيادة حدة هذه المخاطر.
ولطالما اشتكت الحكومات، منذ فترة طويلة، من المعلومات المضللة التي قد تقوض الانتخابات واستقرار وتحرض على الاضطرابات وتعمق الانقسامات المجتمعية، والآن أصبحت الشركات في مرمى النيران أيضاً.
وعلق جوليان باين، رئيس الأزمات والمخاطر العالمي في شركة «إيدلمان» للاستشارات، قائلاً: «تصاعدت المعلومات المضللة بوتيرة متسارعة في السنوات الأخيرة، وهي تنتشر الآن كعشبة ضارة يصعب السيطرة عليها».
وتعلمت شركة «آرلا للأغذية»، التي تدير أكبر تعاونية ألبان في المملكة المتحدة الدرس بالطريقة الصعبة، فبعد إعلانها أخيراً عن تجربة إضافة مادة للأعلاف لتقليل انبعاثات الميثان من الأبقار الحلوب، ضغط بعض العملاء لمقاطعة منتجات الألبان.
وأعقب ذلك عاصفة على وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت ادعاءات لا أساس لها من الصحة وغريبة بأن المادة المضافة جزء من مؤامرة لتقليل عدد سكان العالم عن طريق خلق مشاكل في الخصوبة، وربطت نظريات المؤامرة بين المادة المضافة وبين بيل جيتس.
وقد وافق المنظمون في المملكة المتحدة على المادة المضافة، المسماة Bovaer، باعتبارها آمنة، فيما ألقى مصنعها باللوم على «الأكاذيب والمعلومات المضللة» في إثارة هذه الضجة.
في حادثة منفصلة قبل بضع سنوات، تعرضت شركة البيع بالتجزئة الأمريكية وايفير إلى حملة من الادعاءات الزائفة بشكل كبير بأن خزائنها التي تحمل أسماء فتيات، تخفي أطفالاً داخلها كجزء من شبكة اتجار بالأطفال. وتعمل وايفير كمنصة وسيطة تربط بين العملاء وآلاف الموردين والشركات المصنعة للأثاث من جميع أنحاء العالم.
وكشف استطلاع أجرته «إيدلمان» وشمل نحو 400 من كبار مسؤولي الاتصالات والتسويق أن 80% منهم أبدوا قلقهم من تأثير المعلومات المضللة في أعمالهم، في حين أكد أقل من نصف من شملتهم الاستبانة أنهم مستعدون للتعامل مع هذه التحديات والمخاطر.
ولا يقتصر الأمر على النشر المتعمد للأكاذيب بقصد التضليل، حيث تحتاج الشركات أيضاً إلى أن تضع في اعتبارها المعلومات المغلوطة الناتجة عن أخطاء غير مقصودة، والمعلومات الخاطئة التي تحرف الحقائق أو تخرجها من سياقها لإحداث ضرر.
يمكن للتهديدات أن تتخذ أشكالاً عدة، مثل الأخبار الملفقة، والحسابات المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي، والمحتوى النصي أو الصوتي أو المرئي المزيف.
وأصحاب المهارات الفائقة في الترويج على الإنترنت الذين يستعينون بالذكاء الاصطناعي، يتسببون في تكثيف أثر هذه الهجمات، ما يسمح للمعلومات المضللة بالانتشار بشكل غير متوقع. وفي نهاية المطاف، تنتشر الأكاذيب أسرع من الحقيقة.
وقد تؤدي حملات المقاطعة إلى خسائر مالية، لكن الأضرار التي تلحق بالسمعة قد تكون بالقدر نفسه من الخطورة. حتى سلامة الموظفين ليست بمنأى عن التهديد، ففي عام 2020، تسببت نظريات مؤامرة لا أساس لها حول تقنية الجيل الخامس في اعتداءات على مهندسين يعملون لدى «أوبن ريتش» التابعة لـ«بي تي» في المملكة المتحدة.
ورغم أن ظاهرة المحاربين الرقميين الذين ينشرون الكراهية ليسوا شيئاً جديداً، إلا أن تسارع وتيرة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء رسائل مزيفة والحسابات التي تقف وراءها، يعني أنه على الشركات زيادة قدراتها الدفاعية.
وقال باين إن «الفترة الزمنية التي كانت تمتلكها الشركات سابقاً لتنظيم أمورها تقلص من يوم كامل إلى أربع ساعات فقط، الآن يصبح الأمر أشبه بمحاولة إطفاء حريق هائل باستخدام مسدس ماء».
ولا تزال مجالس الإدارة متأخرة في إدراك أهمية التصدي للمعلومات المضللة، تماماً كما حدث سابقاً مع قضايا الأمن السيبراني.
وقال مسؤول تنفيذي مختص في مساعدة الشركات على تتبع الحملات المضللة: «نحن نشهد موقفاً مشابهاً» من مجالس الإدارة. وأضاف أن القيادات العليا «غالباً ما تكون منفصلة عن ديناميكيات الاستقطاب في محادثات العالم الرقمي».
فما الذي يمكن أن تفعله الشركات؟ يجب على القادة تقييم ما إذا كانت سياساتهم المتعلقة بالقضايا الجيوسياسية، أو التغير المناخي، أو غيرها تجعلهم أهدافاً محتملة. ويمكن أن يؤدي تحديد نقاط التعثر، واختبار الاستجابة للأزمات إلى تسليط الضوء على نقاط الضعف.
قد يبدو منطقياً الرد بسرعة على الأكاذيب بعد الهجوم، ولكن هذا النهج قد يسهم في تضخيم الرسالة الزائفة ودفعها من الزوايا الغامضة في الإنترنت إلى العلن.
وقال جاك ستابس، رئيس قسم الاستخبارات في «جرافيكا» المتخصصة في فهم المجتمعات عبر الإنترنت، إن رسم خريطة لمصادر المعلومات المضللة وتتبعها يجب أن يكون جزءاً أساسياً من الاستراتيجيات الحديثة.
وأضاف أن «الفضاء الرقمي هو البيئة التشغيلية التي تتحرك فيها الشركات الآن».ولا يقل أهمية بناء جسور المصداقية بشكل استباقي، فإذا كذبت القيادات التنفيذية مراراً على المساهمين أو الجمهور، فإن هذا سيقوض أي استجابة للأزمات.
فالشفافية المستمرة تسهم في تعزيز المصداقية عندما يكون ذلك مهماً، ففي عالم رقمي تنتشر فيه الروايات الكاذبة أسرع من أي وقت مضى، لا يمكن للشركات أن تتبع الأساليب القديمة نفسها.
