انخفاض الدولار لا ينبغي أن يثير الذعر في الأسواق

يواصل الدولار مسار الضعف.. وهو أمر يرى معظم النقاد أنه عرَض من أعراض سوء الإدارة المالية والنقدية لإدارة ترامب، ويثير تساؤلات حول وضع الدولار كملاذ آمن.

وقد نشرت فاينانشيال تايمز تقريراً بعنوان «الدولار الأمريكي يعاني أسوأ بداية عام منذ 1973».

وقال فرانشيسكو بيسولي، الخبير الاستراتيجي في العملات الأجنبية لدى بنك «آي إن جي»، إن «الدولار أصبح كبش فداء لسياسات ترامب المتذبذبة في ولايته الثانية».

وأضاف أن التعريفات الجمركية المتقطعة للرئيس، واحتياجات الاقتراض الهائلة للولايات المتحدة، والمخاوف من تعرض استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي للتهديد، كلها عوامل قوضت جاذبية الدولار، باعتباره ملاذاً آمناً للمستثمرين.

من جانبها، قالت آنا تشيسلاك من جامعة ديوك، إن «العجز المالي، والإجراءات الحكومية المتعمدة لتقليص الحساب المالي للولايات المتحدة، وخفض قيمة الدولار، وعدم اليقين بشأن مسألة من سيخلف رئيس الفيدرالي، والتساؤلات حول استقلالية الفيدرالي، كلها تؤثر سلباً في وضع الدولار كملاذ آمن».

هذا ما قاله الخبراء، لكننا لا نتفق مع ما قالوه. صحيح أن الثقة في نظام الدولار تعرضت لصدمة قوية في أبريل، بعد ما أعلنه ترامب في «يوم التحرير»، لكن فقدان الدولار لمكانته كملاذ آمن، ليس تفسيراً لما شهدته العملة خلال الشهر الماضي أو نحو ذلك.

لننظر لما حدث في الوقت نفسه، فقد انخفضت عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، و10 أعوام، و30 عاماً. كما تراجعت توقعات التضخم، وبلغت الأسهم أعلى مستوياتها على الإطلاق.

كما أن فروق أسعار سندات الشركات تعاود تسجيل معدلات قريبة من أدنى مستوياتها. والتقلبات الضمنية للأسهم والسندات، تسجل مستويات منخفضة.

ولا يتماشى أي من هذا مع تخارج المستثمرين حول العالم من الأصول المقومة بالدولار، أو مع تعيين شخص ضعيف متزلف رئيساً للفيدرالي، أو بفشل مريع في المفاوضات المتعلقة بالتعريفات الجمركية، أو أزمة في العجز المالي أو أسعار الفائدة.

قد يجادل المرء بأن السوق مخطئة بشأن كل هذه الأمور، لأن الأسواق تمر بفترات تكون مخطئة فيها في معظم الأحيان.

وعموماً، فإن السوق، ببساطة، لا تشير إلى أن وضع الملاذ الآمن للأصول الدولارية يتعرض لضغوطٍ متزايدة.

في الواقع، العكس هو الأقرب إلى الحقيقة. فمنذ مخاوف أبريل، أصبحت التوقعات السياسية أقل إثارة للقلق.

وقد أدى ذلك، إضافة إلى علامات ضعف اقتصادي طفيف، إلى زيادة التوقعات بشأن تخفيض الفيدرالي للفائدة، وانخفاض عوائد السندات طويلة الأجل. لذا، فإنه في هذا السياق، يعتبر تراجع الدولار طبيعياً.

وإذا ما انتقلنا إلى تصويت مجلس الشيوخ على «مشروع القانون الكبير والجميل»، فإن هذا القانون يمثل كل مقترحات الإنفاق التي تحمل توقيع ترامب، لكن في قانون واحد.

ويحتوي على إجراءات كثيرة، تتراوح بين إعفاءات ضريبية للأطفال والأمن على الحدود، ويشتمل كذلك على زيادة طال انتظارها لسقف الدين.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن أدق تفاصيل مشروع قانون الموازنة، تعد مهمة، لتأثيرها في صناعات عدة، لكن الأهم حجم الإنفاق الهائل، وإلى أي مدى سيزيد العجز، مقارنة بتوقعات السوق السابقة على إعلان مشروع القانون.

والجزء الأكثر تكلفة في مشروع القانون، هو تمديد التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب عام 2017، التي تشكل نحو 90% من إجمالي التخفيضات الضريبية في مشروع القانون، بحسب شاي أكاباس من مركز سياسة الحزبين، لكن الأسواق كانت تتوقع بالفعل تمديد هذه التخفيضات، بغض النظر عن جميع حيل الموازنة.

أما المثير للدهشة، فهي التخفيضات الضريبية الإضافية والإنفاق الذي تمت إضافته.

ومن أبرز الأمور التي تستحق الذكر، إلغاء الضرائب على الوقت الإضافي (ما يضيف 90 مليار دولار إلى العجز خلال 10 أعوام، بحسب أحدث تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس)، والإكراميات (32 مليار دولار)، وقروض السيارات (31 مليار دولار)، إضافة إلى الإنفاق الدفاعي الجديد (149 مليار دولار)، والأمن على الحدود (129 مليار دولار).

وبإمكاننا ملاحظة أن التوقعات الأساسية لمكتب الموازنة في الكونغرس للعجز الكلي، اعتباراً من يناير 2025، هي تقديراته بشأن العجز، إذا ما ظلت القوانين المعمول بها حالياً كما هي دون تغيير بصفة عامة، وتوقعات مكتب الموازنة للعجز بعد تمرير مشروع القانون، وهي الأحدث.

واستناداً إلى محتويات مشروع القانون الذي صوّت عليه مجلس الشيوخ، فإن العجز سيزداد على نحو أسرع في الأعوام القليلة الأولى من إقرار مشروع القانون، وهو أمر مقصود.

ويعود ذلك إلى أن الكثير من البنود الجديدة ذات الصلة بالضرائب، مثل عدم فرض ضرائب على الإكراميات أو الوقت الإضافي، سيمتد حتى نهاية فترة تولي إدارة ترامب للحكم.

ويرى إد ميلز من مؤسسة «رايموند جيمس»، أن «جانب التحفيز المالي سيمتد لفترة 3.5 أعوام، وليس لمدة 10 أعوام، مثل مشروعات القوانين السابقة». وبالنسبة للأسهم، فمن الممكن أن يكون هذا عاملاً إيجابياً على المدى القريب.

فمن شأن وجود عنصر أكبر محفز مالياً، أن يضخ الأموال في النظام، وتميل هذه الأموال إلى أن ينتهي بها الحال في الميزانيات العمومية للشركات وحسابات المستثمرين بشركات الوساطة.

والنقطة المهمة هنا، هي أن زيادة العجز ستدفع تكاليف الفائدة للارتفاع. وقال أكاباس من مركز سياسة الحزبين: «سترتفع تكاليف الفائدة الأمريكية إلى 25% من الإيرادات الإجمالية، مقارنة مع 22%، بموجب مشروع القانون بصيغته الحالية.

وهذا يعني أن واحداً من كل 4 دولارات تجنيها الولايات المتحدة، سيكون موجهاً إلى سداد الديون الوطنية».

ولن يكون العجز الأعلى وتكاليف خدمة الديون قابلين للاستمرار في مرحلة ما.

وفي هذه الحالة، ستبدأ أسعار الفائدة في الارتفاع، وستضطر البلاد إلى اعتماد سياسات للتقشف، أو إقرار قيود مالية، أو/ وستمر بتضخم مرتفع.

كما ستتضرر السندات في هذه الحالة، ولن تنجو الأسهم من تداعيات ذلك. ونحن لا نعلم ما إذا كنا قد وصلنا إلى هذه المرحلة، لكن ما نعرفه، هو أن مشروع القانون هذا سيقربنا من ذلك السيناريو.