مارتن ساندبو
يخشى الأوروبيون، بل يخشون كثيراً، اعتمادهم على التكنولوجيا الرقمية الأجنبية.
وأظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة «برتلسمان» أن نحو ثلاثة أرباع مواطني الاتحاد الأوروبي يخشون تعرض الخدمات الرقمية الحيوية إلى «التعطيل عن بُعد، على يد فاعلين من خارج أوروبا».
كما تعتبر هذه الأغلبية الساحقة نفسها أنه من المهم أن تتحكم أوروبا في التقنيات الرقمية الرئيسية.
وكما حدث في حالات أخرى، مثل ردود الفعل السلبية للأوروبيين على «اتفاق» التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودونالد ترامب العام الماضي، يعرف مواطنو التكتل بوضوح ما يريدونه، وهو ليس ما يحصلون عليه حالياً.
فكيف تسعى الحكومات الأوروبية، والاتحاد الأوروبي تحديداً، في تحقيق «السيطرة» التي يطالب بها الناخبون؟
تعتمد أوروبا على اقتصادات أخرى في جزء كبير من «منظومة» التكنولوجيا الرقمية. فهي تعتمد على أمريكا في البرمجيات، وتايوان في الرقائق الإلكترونية، والصين في قطاعات واسعة من المعدات.
وهنا يبرز السؤال الأول، ما حجم الجزء الذي ينبغي أن يكون محلياً داخل الاتحاد؟
وعندما طرحت هذا السؤال على هينا فيركونن، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية المسؤولة عن السيادة التكنولوجية، عددت نماذج الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وتقنيات الكم والأقمار الاصطناعية والحوسبة السحابية بوصفها مجالات تحتاج فيها أوروبا إلى قدرتها الإنتاجية الخاصة. لكنها لا تسعى إلى الاكتفاء الذاتي.
فالهدف، حسب قولها، «ألا تكون تبعيتنا محفوفة بالمخاطر، وألا نعتمد على شركة واحدة أو على دولة واحدة».
رغم ذلك تظل هذه قائمة طموحة من القطاعات، بالنظر إلى مدى تخلف أوروبا عن الركب. وهو مطلب ثقيل بما يكفي ليدفعنا إلى تساؤل آخر.
هل يعني السعي لتحقيق هذا الهدف أن أوروبا ستتخلف أكثر، بالتخلي عن التكنولوجيا الأجنبية المتقدمة لصالح بدائل محلية الأقل جودة؟ وما موقف بروكسل من هذه المفاضلة؟
وترى فيركونن إلى أن الأمر قد لا يكون بهذه المبالغة.
وقالت «نعرف أن بعض الشركات... تريد أن تعطي انطباعاً بأن خدماتها هي الأفضل دائماً وأن منافسيها ليسوا كذلك... وهذا ليس صحيحاً دائماً».
وترى أن البدائل المحلية تكون أحياناً أصغر حجماً وأقل شهرة فحسب، لا أقل جودة أو أعلى سعراً.
وهذا يعني أن القطاع العام يستطيع أن يحفز نشوء بدائل محلية إذا أحسن القيام بدوره كعميل.
لكن هل يفعل القطاع العام الأوروبي ذلك فعلاً؟ تشعر شركات رقمية أوروبية صغيرة كثيرة بأن لديها منتجاً جيداً، إلا أن الجهات الحكومية تفضل البقاء مع المزودين الكبار الذين اعتادت التعامل معهم.
وتقر المفوضة بوجود قدر من الجمود، وبأن هناك حاجة إلى «الإبداع» في تمكين الشركات الصغيرة من التكتل في كيانات تؤمن حجم الإمداد المطلوب.
أما التحدي الأكبر فهو حصول الشركات التقنية الأوروبية على التمويل، لا بسبب نقص المدخرات، بل لإخفاق أوروبا في توجيه التمويل إلى المشاريع الناشئة.
وقد بدأت مؤسسات الاتحاد والدول الأعضاء معالجة ذلك. فقد أصبح هناك صندوق جديد يدعم توسع الشركات الناشئة، كما تسعى بروكسل لتوفير المزيد من الاستثمارات الاستراتيجية من القطاع العام لتكون بمثابة «ركيزة» تجذب المستثمرين من القطاع الخاص.
إلا أن المبالغ التي تم جمعها حتى الآن تبدو أصغر بكثير من مئات المليارات التي تضخ سنوياً في الاستثمارات بالتقنية الأمريكية.
وتفيد المعطيات كلها بأن المفاوضات حول الميزانية المقبلة للاتحاد ستقلص أكثر المبالغ التي اقترحتها بروكسل أصلاً للأولويات الجديدة، ومنها السياسة الصناعية الرقمية.
وعلى صعيد الإصلاحات التشريعية كذلك، فمن «شركة الاتحاد الأوروبي»، وهو مقترح بقانون في منتصف الطريق لتقليص إجراءات تسجيل الشركات في خطوة واحدة، إلى قواعد التوطين للخدمات الرقمية الحساسة، تؤجل الدول الأعضاء المقترحات أو تخففها، مع أن بروكسل بدت حريصة منذ البداية على ألا تطلب الكثير.
وتتجنب فيركونن، بطبيعة الحال، انتقاد العواصم الأوروبية. لكنها توافق على أن من المهم جداً، في مفاوضات الميزانية، أن «تحافظ الدول الأعضاء على الطموح» في تمويل التقنيات الجديدة والدفاع.
وألا يقتصر ذلك على بناء القدرات المحلية، لأن «الفكرة هي أن يكونوا قادرين على المنافسة عالمياً».
وفي المحصلة، تبدو بروكسل، رغم طموحها، متجهة إلى نقطة وسط بين المدى الذي يريد الناخبون بلوغه والمدى الذي تستعد الحكومات الوطنية للوصول إليه.
ويعني ذلك أن ثمة مكاسب سياسية بانتظار القادة الجريئين بما يكفي للمضي أبعد وأسرع.
ففي استطلاع برتلسمان، يرى أقل من نصف المشاركين أن المزودين الأجانب يُلزَمون فعلاً بالقواعد والتوقعات الأوروبية. وعلى السياسيين الآن أن يقنعوهم بغير ذلك.

