ريتشارد ووترز
رغم الانقسام الحاد الذي تشهده الولايات المتحدة، نجح قطاع التكنولوجيا في الخروج بأمر يتفق عليه الناخبون الأمريكيون بمختلف أطيافهم السياسية، لا أحد يريد مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي في حيه السكني.
وقد انعكست تداعيات هذا النفور المتزايد مباشرة على سوق «وول ستريت» هذا الأسبوع، بالتزامن مع استيعاب الأسواق لنتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
فقد تراجعت أسهم التكنولوجيا يوم الخميس الأول من أمس، وهوى مؤشر «ناسداك 100» نحو 6 في المائة.
إلا أن ملامح هذا التوجه المناهض للتكنولوجيا تهدد بالاتساع لتتجاوز مراكز البيانات إلى معارضة شعبية أعمق للذكاء الاصطناعي، ما يمهد الطريق لموسم انتخابي قد يكون أكثر صعوبة على قطاع التكنولوجيا في عام 2028.
بالتالي، قادة التكنولوجيا في الولايات المتحدة في حاجة ملحة حالياً لإعادة نظر عاجلة في الاستراتيجية السياسية التي جعلتهم يرتبطون ارتباطاً وثيقاً، في مخيلة الرأي العام، بإدارة جمهورية متعثرة.
وعلى رأسهم إيلون ماسك، الذي لم يثمر تمويله للحملات الجمهورية بنحو 500 مليون دولار عن شيء يذكر سوى التسبب في ازدراء أعمق من الخصوم.
وخلال الأسابيع الأخيرة من حملات التجديد النصفي، طفا القلق من الذكاء الاصطناعي وهيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى وثرواتها على السطح. وعلى المستوى المحلي، دعم الناخبون أكثر من 40 مقترحاً لإبطاء تطوير مراكز البيانات.
ورغم فشل ناخبي كاليفورنيا في تمرير مقترح ريادي يفرض ضريبة على المليارديرات، إلا أن النفور الشعبي من ثروة ونفوذ أباطرة التكنولوجيا كان حاضراً بقوة في الأجواء.
وظهرت علامات تشير إلى أن التخوف من الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول إلى قضية حزبية أكثر وضوحاً في الأسابيع الأخيرة من الانتخابات، ويرجع ذلك جزئياً إلى الرئيس دونالد ترامب. ففي أغسطس، حاول التقليل من العداء الشعبي الواضح لمراكز البيانات، قائلاً للناخبين إن معارضة هذه المشاريع تعد تصويتاً لصالح «التخلف والفقر».
وبعد ذلك بشهر، اتخذ موقفاً استخف فيه بالتحذيرات من أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطراً وجودياً على البشرية، واصفاً إياها بأنها «خدعة».
وجاءت مطالبة الناخبين بنسيان مخاوفهم من الذكاء الاصطناعي، هكذا ببساطة، برد فعل عكسي.
ورغم أن الناخبين من كل التوجهات عارضوا مراكز البيانات، إلا أن هذا الموقف تبلور ليصبح قضية رئيسية لدى الحزب الديمقراطي.
وحاول جريغ أبوت، الحاكم الجمهوري لولاية تكساس، التي تضم جانباً كبيراً من أنشطة بناء هذه المراكز، النأي بنفسه عن هذا الملف في الأسابيع الأخيرة من حملته الانتخابية.
أما جينا هينوجوسا، الديمقراطية، التي فازت خلفاً له، فقد كانت سياستها واضحة من بداية السباق الانتخابي، وهي معارضة إنشاء هذه المراكز.
ومع تحول ولايتي جورجيا وأوهيو، وهما ولايتان تشهدان خطط بناء واسعة لمراكز البيانات، إلى حكام ديمقراطيين، فقد شهد المناخ السياسي تحولاً ملموساً.
وقد وضع المستثمرون رهاناتهم بالفعل على النواحي التي ستتأثر بهذه التحولات، رغم أن النطاق الكامل لهذه الانتكاسة لن يتضح حتى يتم حسم تراخيص البناء لعام 2028 وما بعده.
وبالنسبة للشركات الناشئة المختصة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم «neoclouds»، زادت هذه الانتكاسة من حدة التصحيح السعري الذي كانت تعانيه بالفعل، حيث هبط سهم «كور ويف» بنسبة 25 في المائة.
أما أسهم الرقائق الإلكترونية، التي كانت قد تراجعت بالفعل عن قممها السابقة، فقد صمدت عقب الانتخابات مباشرة قبل أن تهوي بشدة يوم الخميس.
وبالتراجع المحتمل لنمو إيرادات الذكاء الاصطناعي، قد يبدأ هذا التباطؤ في الضغط بشكل أكبر على تقييمات السوق.
ومن المرجح أن تؤخذ هذه الاعتبارات في الحسبان خلال الطرح العام الأولي المرتقب لشركة «أنثروبيك»، الذي أصبح نموها معرضاً للانحسار الشديد.
أما بالنسبة لماسك نفسه، فأمامنا آفاق مزدوجة ومتباينة، وإن كانت أسهم «سبيس إكس» قد هبطت بشكل حاسم دون سعر طرحها العام الأولي يوم الخميس.
وكانت «وول ستريت» تراهن بقوة على قدرة ماسك على بناء قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعة تفوق منافسيه، وهي ميزة قد يظل محتفظاً بها، رغم أنه سيواجه تحديات سياسية شخصية أكثر قوة، خصوصاً في ولاية تكساس التي يتخذها مقراً لأنشطته.
وقد يثبت تباطؤ بناء مراكز البيانات صحة قرار ماسك ببيع قدرات الذكاء الاصطناعي بأسعار على فترات قصيرة الأجل، رهاناً منه على أن النقص في القدرات الحوسبية سيستمر لفترة أطول مما توقعه الكثيرون، ما يواصل دفع الأسعار نحو الارتفاع.
في الوقت نفسه، أصبح رد الفعل العكسي ضد مراكز البيانات رمزاً لمخاوف أعمق بشأن الذكاء الاصطناعي، وهي مخاوف من المرجح أن تخضع لتدقيق أشد في الكونجرس الجديد الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.
وبالنسبة لشركات التكنولوجيا، يبدو أن الوقت قد حان لإعادة نظر جادة، ليس فقط في الاستراتيجية السياسية، بل وفي التأثيرات الأوسع نطاقاً لتقنياتها.
لقد قدم هذا القطاع وعوداً براقة بأن الذكاء الاصطناعي سيجلب عصراً جديداً من الوفرة الاقتصادية وعلاجات جديدة للأمراض، ولكن، كما يخبرك أي سياسي، فإن الناخبين لا يملكون الصبر على وعود لا تتحقق.

