هيئة تحرير فايننشيال تايمز
الأمر لم يحسم تماماً بعد، لكن ملامح «إعادة ضبط» العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي على المدى القريب بدأت تتضح، فهناك اتفاقيات لتسهيل التجارة فيما بعد بريكست في السلع الغذائية، وتأسيس برنامج مشترك لخبرات الشباب، وربط أنظمة تداول الانبعاثات.
وفي المقابل، يريد الاتحاد الأوروبي اتفاقاً خلال ستة أشهر يتيح للطلاب الأوروبيين رسوماً دراسية مخفضة في الجامعات البريطانية.
هذه صفقة تستحق العناء؛ فالدفعة الاقتصادية التي ستضاف إلى الناتج المحلي الإجمالي البريطاني، والتي قدرت الحكومة قيمتها بنحو 17 مليار جنيه استرليني، تفوق بكثير خسائر إيرادات الرسوم الدراسية المفقودة.
كما ستوفر هذه الخطوة أرضية إيجابية لمبادرة أكثر طموحاً يطرحها رئيس الوزراء آندي بورنهام، تهدف إلى استكشاف خيارات طويلة الأمد لمعالجة تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
رغم ذلك، ينبغي ألا تتحمل الجامعات البريطانية، التي تعاني بالفعل من ضغوط مالية، تكلفة هذه الترتيبات.
ويعد إبرام اتفاقية بشأن الصحة والسلامة النباتية والحيوانية الجائزة الكبرى في هذه المباحثات.
إذ سيتم إلغاء معظم إجراءات التفتيش الحدودية الروتينية المفروضة حالياً بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، لتشكل مكسباً هائلاً لمتاجر التجزئة ومصدري الأغذية.
وفي المقابل، يجب على لندن الالتزام بالقواعد التنظيمية الأوروبية المتغيرة باستمرار، دون أن تمتلك أي حق في التصويت أو المشاركة في صياغتها.
ورغم أن هذا الشرط قد يبدو مكلفاً، إلا أنه يظل أقل حساسية مقارنة بملف التقارب التنظيمي في قطاع الخدمات المالية مثلاً.
كما أنه سيفتح نافذة تسويقية بالغة الأهمية أمام المنتجات الغذائية البريطانية للنفاذ بسلاسة إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.
وربط أنظمة تداول الانبعاثات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي سيفسح المجال لتجنب فرض ضرائب حدودية على الكربون الصادر عن المنتجات البريطانية، وقد يمهد الطريق أمام انضمام بريطانيا إلى سوق تجارة الكهرباء المربحة مع التكتل الأوروبي.
كما أن مخطط تنقل الشباب سيعيد فتح آفاق وقنوات قيمة تتيح للشباب البريطانيين ومواطني الاتحاد الأوروبي الفرصة للعمل أو الدراسة أو السفر المتبادل.
وفي هذا السياق، يطالب الاتحاد الأوروبي بأن يعامل جميع طلابه، وليس فقط المشاركين في برنامج تنقل الشباب، معاملة الطلاب المحليين في الجامعات البريطانية، بحيث يدفعون رسوماً دراسية تبلغ 9.790 جنيهاً استرلينياً سنوياً للمرحلة الجامعية الأولى، بدلاً من الرسوم المرتفعة المخصصة للطلاب الدوليين.
وربما يشكل هذا البند نقطة خلاف شائكة؛ ومع ذلك، ففي ظل ظروف متكافئة، سترحب الجامعات البريطانية بزيادة أعداد طلاب الاتحاد الأوروبي، التي انخفضت لأقل من النصف منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ علماً أن هؤلاء الطلاب كانوا تاريخياً يحققون أداءً أكاديمياً يفوق المتوسط، كما كانوا يمثلون رافداً مهماً للباحثين في برامج الدراسات العليا.
رغم أن مجموعة «راسل» للجامعات أكدت أن منح طلاب الاتحاد الأوروبي في مرحلة البكالوريوس وضعاً مشابهاً للطلاب المحليين من حيث الرسوم الدراسية، سيكبّد مؤسسات التعليم العالي تكلفة تبلغ نحو 370 مليون جنيه استرليني.
وفي ظل توقعات بأن تواجه 45 في المئة من الجامعات الإنجليزية عجزاً مالياً بحلول عام 2025-2026، فإن هذا الإجراء سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المالية المتردية أصلاً في هذه الجامعات.
لقد تراجعت الرسوم الدراسية المحلية لمرحلة البكالوريوس بفارق كبير عن معدلات التضخم، لدرجة أصبحت معها الجامعات البريطانية تتكبد خسارة سنوية تتجاوز 2500 استرليني عن كل طالب جامعي محلي.
نتيجة لذلك، أصبحت الجامعات تعتمد بشكل أساسي على الرسوم المرتفعة التي يسددها الطلاب الدوليون، خصوصاً من خارج الاتحاد الأوروبي، لتغطية نفقاتها.
إلا أن أعداد هؤلاء الطلاب الدوليين شهدت تراجعاً حاداً بعد أن فرضت الحكومة قيوداً صارمة على أفراد الأسر المرافقين لكبح معدلات الهجرة.
وتواجه الجامعات اليوم مقترحات بفرض رسم إضافي قدره 925 جنيهاً استرلينياً على كل طالب دولي، وتوجيه الحصيلة لتمويل الإعانة المخصصة للطلاب البريطانيين الأقل حظاً، وهي خطوة يتوقع أن تجمع نحو 445 مليون استرليني في الفترة من 2028 إلى 2029.
وتسعى حكومة بورنهام إلى ربط تقديم رسوم مخفضة لطلاب الاتحاد الأوروبي بشرط أكثر أهمية، وهو حصول بريطانيا على حق المشاركة في برنامج الاتحاد الأوروبي الاستراتيجي «صنع في أوروبا» المصمم خصيصاً لحماية الصناعات الأوروبية من المنافسة الصينية غير العادلة.
إلا أن المسؤولين الأوروبيين يرون أن البرنامج أضخم من أن يتم إدراجه ضمن صفقة تبادلية بهذا الحجم، وإن كان تقديم تنازلات محدودة في ملف الرسوم قد يسهم في تحسين مناخ المفاوضات.
مع ذلك، ينبغي للحكومة قبول الصفقة المطروحة، مع إيجاد آلية تضمن عدم تضرر الجامعات خلال هذه المرحلة الانتقالية. ولن يجد رئيس الوزراء صعوبة بالغة في صياغة خطاب سياسي إيجابي يروج من خلاله لخطوات إعادة ضبط العلاقات. مع هذا، يظل هذا الاتفاق مجرد خطوة تمهيدية تسبق المعترك الحقيقي.
فإذا كان رئيس الوزراء جاداً حقاً في أهدافه بعيدة المدى لجسر الهوة وتقريب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك سيتطلب تقديم تنازلات استراتيجية على نطاق أوسع بكثير.

