جون ثورنهيل
قبل أن تقلب الثورة الصناعية النظام الاقتصادي رأساً على عقب، كان العالم يديره الـ«مركنتليون» ممن يرتدون الأزياء المزركشة، في وقت كان ينظر فيه إلى الثروة باعتبارها موردا شحيحاً ومحدوداً.
آنذاك، كان الأثرياء وأصحاب النفوذ يسحقون الفقراء، بينما عجز قطاع الزراعة عن توليد أي فائض في طلب المستهلكين، ما أدى إلى ركود الاقتصاد العالمي.
باختصار، كان العالم يدور في فلك معادلة صفرية.
وفي مقال تحليلي مثير للجدل، تساءل كاتب شؤون التكنولوجيا فينكاتيش راو عما إذا كنا نشهد وضعاً مشابهاً اليوم مع ثورة الذكاء الاصطناعي.
غير أن المشهد اليوم يشهد صعود «مركنتليين معرفيين»، كما يطلق عليهم، ممن يتركز اهتمامهم حول فكرة وجوب الدفاع عن الذكاء البشري ضد تجاوزات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من إطلاق طاقاته وتحريره بفضله.
ويشير راو إلى أنه إذا استبدلنا كلمة «ثروة» بكلمة «ذكاء»، فإننا سنعود فكرياً إلى المفهوم السائد أوائل القرن الثامن عشر.
فهؤلاء المركنتليون المعرفيون، الذين تهيمن عليهم غريزة الاستحواذ على الثروة بدلاً من إنشائها، ينظرون للذكاء باعتباره مورداً يجب إحكام السيطرة عليه حصرياً من المهنيين أصحاب الشهادات والاعتمادات.
بناءً على ذلك، تجوب الدول والشركات أصقاع الأرض لجمع ألمع العقول واكتنازها كما لو كانت ذهباً.
في المقابل، يسخرون من الجماهير الأقل ذكاءً، معتبرين إياهم أصولاً متناقصة القيمة معرضة لخطر أن تصبح فائضة عن الحاجة.
إلا أن راو يرى أن الذكاء الاصطناعي سيشكل تحدياً للمركنتليين المعرفيين المعاصرين تماماً كما أحدثت آلات الغزل ومحركات البخار في عصر الثورة الصناعية، ما مهد الطريق لظهور فئة جديدة من المبتكرين.
وكما ورد في كتاب جويس أبلبي «الثورة المتواصلة»، الذي ألهم مقال راو، «هكذا نشأت رأسمالية المحصلة الإيجابية من رحم النزعة التجارية ذات المحصلة الصفرية».
واليوم، أصبح بإمكان مليارات البشر الوصول لتقنيات ذكاء اصطناعي تتزايد قوتها باطراد، وبتكاليف زهيدة تكاد تكون معدومة.
وبالتسلح بهذه الأدوات المذهلة، سيتمكن أي شخص يتمتع بالفطنة من متابعة مصالحه الشخصية، وابتكار أساليب عمل جديدة، وتأسيس مشروعاته الصغرى الخاصة به، وتوليد ثروته المستقلة. وهكذا، سيعمل الذكاء الاصطناعي على تحفيز قيام الثورة «المجتهدين» التالية.
علاوة على ذلك، فإن وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين سيصبحون بالملیارات، ليتفوقوا على أعداد البشر، سيمثلون في حد ذاتهم مصدراً إضافياً لطلب المستهلكين.
وفي هذا السياق، يكتب راو قائلاً: «يرى المركنتلي المعرفي عالماً مهدداً بفرط المعروض من الذكاء وفائض وشيك من العقول المعطلة. في المقابل، يبصر الرأسمالي المعرفي إمكانية توسع شبه لا محدود في الطلب، وعالماً يعج بعقول بالكاد بدأت طاقاتها الكامنة تتبلور وتستكشف».
تلك نظرية جذابة وساحرة، لكنها عرضة للطعن والتفنيد من زوايا عدة.
فوفقاً للتفسير التقليدي للأحداث، سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى مزيد من تركز الثروة والسلطة في أيدي قلة من أباطرة الشركات.
بل سيذهب البعض إلى حد القول إنه قد يتحول إلى أداة استعباد جديدة عوضاً عن أن يكون أداة تمكين. وفي هذا الشأن، لم تشهد أسواق الأسهم الأمريكية قط مستويات تقييم مرتفعة أو متركزة كما هي عليه اليوم.
كما ينظر إلى مراكز البيانات التي تتكاثر كالفطريات حول العالم على أنها «المصانع الشيطانية المظلمة» لعصرنا الحديث، ما أشعل موجة من ردود الفعل الجماهيرية الغاضبة المناهضة للذكاء الاصطناعي، خصوصاً في الولايات المتحدة.
ووفقاً لمسح أجراه مركز «بيو للأبحاث»، يعتقد 40 % من الأمريكيين أنه سيكون هناك تداعيات سلبية للذكاء الاصطناعي على المجتمع خلال العقدين المقبلين، في حين لا يتوقع سوى 16 % منهم أن يكون أثره إيجابياً. وأصبح ينظر إلى هذه التكنولوجيا كشيء تجب مقاومته لا تبنيه.
رغم ذلك، فإن 49 % من الأمريكيين يستخدمون اليوم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما يمثل أحد أسرع معدلات تبني التكنولوجيا في التاريخ البشري.
إلى جانب ذلك، يعبر بعض العلماء عن ذهولهم لقدرة الذكاء الاصطناعي على فتح آفاق بحثية غير مسبوقة، مثل نظام «ألفا فولد»، وهو نموذج الذكاء الاصطناعي التابع لشركة «جوجل ديب مايند»، الذي نجح في التنبؤ بتركيبات أكثر من 200 مليون بروتين.
كما ينمو جيل جديد من الشركات الناشئة المعززة بالذكاء الاصطناعي، والتي تطبق هذه التقنية في مجالات تتسع باستمرار، بمعدلات أسرع وبتكاليف أقل مقارنة بأجيال الشركات السابقة.
وكما يؤكد تاريخ التكنولوجيا، فإن العديد من الفرص الأكثر ربحية تكمن دائماً عند الحواف.
وفي هذا السياق، يوضح أليكس إيماس، مدير اقتصاديات الذكاء الاصطناعي العام في «جوجل ديب مايند»، قائلاً: «يمكن للأفراد الآن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الممكن وخلق المزيد من الموارد لأنفسهم».
غير أن ما يفتقر إليه المشهد الحالي، بحسب رأي إيماس واثنين من المؤلفين المشاركين معه في ورقة بحثية حديثة حول اقتصاديات الذكاء الاصطناعي، هو الهياكل التنظيمية اللازمة لتسخير القدرات الكاملة للبشر الذين يعملون جنباً إلى جنب مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهو ما يصفونه بأنه «نوع جديد حقاً من المدخلات الاقتصادية».
ومثلما برزت شركات فائقة الذكاء لتنسيق المهارات المتنوعة والمتكاملة للعناصر البشرية، فإننا بحاجة اليوم إلى مؤسسات جديدة لاستغلال الذكاء المشترك لكل من البشر والذكاء الاصطناعي.
وإذا تحقق ذلك، فستترتب على ذلك تداعيات هي الأهم بالنسبة لقطاع الذكاء الاصطناعي. إذ ستصبح مدى كفاءة وكلاء الذكاء الاصطناعي في التعاون مع البشر وبعضهم البعض بأهمية ما يمكنهم إنجازه من مهام.

