إدوارد وايت
في صباح صافٍ، تحت سماء زرقاء، وعلى ارتفاع شاهق فوق الكثبان الصحراوية في إقليم قانسو شمال غربي الصين، ظهرت نقطة بيضاء صغيرة، فأطلق عدد قليل من المتجمعين في الأسفل صيحات فرح، وبعد لحظات لاح الصاروخ المصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، وقد انفرجت قوائم هبوطه وهو يقترب من موقع الاسترداد، وقال أحد المشاهدين: «توقف قلبي لوهلة».
وبإطلاق صاروخ «تشو تشيو-3 واي 2» (Zhuque-3 Y2) وعودته إلى الأرض في أغسطس الماضي انضمت شركة «لاند سبيس» (LandSpace)، ومقرها بكين إلى شركتي «سبيس إكس»، التي يملكها إيلون ماسك، و«بلو أوريجين» المملوكة لجيف بيزوس، لتصبح من الشركات الخاصة القليلة، التي نجحت في استرداد معزز صاروخي بعد إطلاق مداري.
وفي مطلع العام المقبل يتوقع أن تبلغ «لاند سبيس» محطة بارزة أخرى بإدراج أسهمها في سوق «ستار» بشنغهاي، وهي البديل الصيني لـ«ناسداك»، الذي يستقطب شركات التكنولوجيا الرائدة في البلاد.
وتبرز قصة «لاند سبيس» ومؤسسها تشانغ تشانغو كيف يستطيع الحزب الشيوعي الصيني الحاكم توظيف القطاع الخاص، وما تملكه البلاد من علماء ومهندسين ورواد أعمال لامعين، لتحقيق أهداف استراتيجية وطنية بسرعة تحسدها عليها معظم الدول، ففي مطلع العقد الثاني من القرن الجاري تزايد استياء بكين من بطء تقدم الشركات المملوكة للدولة في منافسة المجموعات الأمريكية بقطاع الفضاء التجاري، فقد كانت الصين بحاجة إلى هذه الصناعة لتطوير الأقمار الاصطناعية، ونشرها لخدمات البيانات والاتصالات الحديثة.
وفي عام 2014 أشارت إدارة شي جين بينغ إلى انفتاح قطاع الفضاء على الاستثمار الخاص، ما أدى إلى ظهور مئات الشركات الناشئة، ودفع المقاطعات في أنحاء البلاد إلى تقديم الدعم الحكومي لها.
وكان تشانغ، خريج جامعة تسينغهوا العريقة الذي عمل سابقاً في «إتش إس بي سي» و«بانكو سانتاندر»، من الذين اغتنموا الفرصة، فأسس «لاند سبيس» في يونيو 2015، وانجذب المستثمرون إليه فوراً، لا بسبب الفرصة الأوسع التي يتيحها قطاع الفضاء الصيني فحسب، بل أيضاً لإصرار تشانغ المتحمس على تجاوز التقنيات القائمة للصواريخ العاملة بالوقود الصلب إلى صواريخ تعمل بوقود أحدث، مثل الأكسجين السائل والميثان.
ويقول بلين كورتشيو، المستشار والمحلل المخضرم في شؤون قطاع الفضاء الصيني: «إن السماح بانتقال الكفاءات من الدولة إلى القطاع الخاص كان بالأهمية نفسها».
وأضاف «كانت تلك لحظة فارقة ومهمة جداً للفضاء التجاري: فكرة السماح للشركات التجارية بتوظيف كبار الكفاءات من الشركات المملوكة للدولة».
وبالنظر إلى مسيرة «لاند سبيس» حتى اليوم يرى كورتشيو أن مسارها من التأسيس إلى إجراء عمليات إطلاق ناجحة بانتظام يضاهي مسار «سبيس إكس».
وقال: «خلال 11 عاماً حققوا تقدماً يفوق ما حققته الشركات الأوروبية، ومعظم الشركات الأمريكية».
وخلص تقرير صدر في يوليو عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مؤسسة بحثية أمريكية، إلى أن قطاع الفضاء التجاري في الصين نما منذ فتحه أمام الاستثمار الخاص، ليضم 600 شركة تعمل في خدمات الإطلاق والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، مقارنة بعشرات قليلة في عام 2014، وفي الوقت الحالي لا تتنافس «لاند سبيس» و«سبيس إكس» مباشرة، إذ لا يسمح لأي منهما بدخول السوق المحلية للأخرى، لكنهما تمثلان طرفين مهمين في المعركة الأمريكية الصينية الشرسة للهيمنة على تكنولوجيا الفضاء.
ويحذر خبراء من أن النهج الصيني القائم على قيادة الدولة قد يولد مشكلات اقتصادية، منها الإفراط في الاستثمار، وتكرار سلاسل الإمداد، لكن دان وانغ، مدير شؤون الصين في مجموعة «أوراسيا» الاستشارية، يرى أن الاستراتيجية الصناعية لبكين في قطاعات مثل الفضاء التجاري يفضل فهمها على أنها «تنسيق من الدولة» لا «توجيه من الدولة»، وستواصل الدولة مراقبة هذه الشركات عن كثب عبر لجان الحزب داخلها، ومقاعدها في مجالس الإدارة، وحصص المجموعات الكبرى المرتبطة بالدولة فيها.
وأضاف وانغ: «ليس المقصود أن الدولة تريد إدارة الشركة، لكن ثمة أدواراً إضافية تفرضها عليها»، ومن الشائع أيضاً أن يتولى مسؤولو هذه الشركات أدواراً استشارية لدى الدولة، كما فعل تشانغ في 2025 حين انضم إلى المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في بكين.
ويشير مارك غريفن، أستاذ الابتكار والاستراتيجية في المعهد الدولي للتطوير الإداري (IMD)، ومقيم في شنتشن، إلى أن «لاند سبيس» «تتوافق» مع النموذج الصيني، الذي تسعى فيه بكين إلى تهيئة الظروف للصناعات الاستراتيجية عبر إتاحة المجال أمام «رواد الأعمال للالتفاف كالسرب حول الفرص»، وبناء المنظومة وسلاسل الإمداد اللازمة لازدهار الشركات الجديدة. وقال إن: «الحرية والريادة والمنافسة الشديدة عناصر أساسية لنجاح هذا النموذج».

