كيف تموت شركات المحاماة؟

جون مورلي
أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة ييل
كان انهيار شركة المحاماة الأمريكية «ويل غوتشال آند مانجيس» (Weil Gotshal & Manges) صادماً ومفاجئاً، ومع ذلك كان متوقعاً إلى حد بعيد، فما حدث لها، رغم طابعه الدرامي، يتسق مع نمط من الانهيارات قمت بتحديدها في ورقة بحثية قبل أكثر من ست سنوات.

في تلك الدراسة بحثت في حالات انهيار نحو 36 شركة محاماة كبرى، منها «ديوي آند لوبوف» (Dewey & LeBoeuf) و«هيلر إيرمان» (Heller Ehrman) وغيرهما كثير، وتبين لي أن شركات المحاماة معرضة لدوامة من انسحابات الشركاء تشبه هجوم المودعين على مصرف لسحب ودائعهم.

وتنشأ هذه الدوامة بسبب طبيعة ملكية شركات المحاماة، حيث غالباً ما يمتلكها الشركاء، والشريك، بصفته مالكاً، يتضرر مباشرة من أي تراجع في أرباح الشركة، ويواجه التزامات متعددة من نوع خاص، تميل في حالة انهيار الشركة، إلى مكافأة من يغادر مبكراً، ومعاقبة من يغادر متأخراً.

بعبارة أخرى عندما يغادر شريك الشركة ويأخذ معه عملاءه تتراجع أرباح الشركة، فتنخفض بالتناسب أرباح بقية الشركاء، وقد يدفع هذا شريكاً ثانياً إلى المغادرة، ثم ثالثاً، وهكذا، في أزمة من سلسلة انسحابات متسارعة، أما من يبقى مدة أطول مما ينبغي فسيواجه التزامات تتفاقم كلما طال بقاؤه.

فماذا تعلمنا تجربة «ويل»؟ الدرس الأول أن الشركة قد تنهار حتى إن لم تكن عليها ديون، وأرباحها لا تزال في ازدياد، وهذا احتمال حددته قبل ست سنوات، وقد تحقق مراراً، ليس في «ويل» وحدها، بل في شركات أخرى كثيرة، منها «ستروك آند ستروك آند لافان»، (Stroock & Stroock & Lavan)، وهي شركة تأسست قبل 150 وتفككت في خريف عام 2023.

الضائقة المالية ليست شرطاً لازماً للانهيار، لأن المحرك الرئيسي ليس العجز عن سداد الديون، بل هو انسحاب الشركاء، وقد يغري الشركاء بالمغادرة من يدفع لهم أكثر في مكان آخر، وتكون الشركة في أقصى درجات الخطر عندما تتراجع أرباحها مقارنة بنظيراتها في السوق، وحتى لو واصلت الأرباح في النمو بالقيمة المطلقة فإن عجز الشركة عن مجاراة غيرها قد يخرجها من حالة التوازن، عندما يجد الشركاء أنفسهم أمام عروض أكبر من شركة منافسة أو شركة أخرى، لذلك فإن بعض أكثر الشركات عرضة للانهيار كانت يوماً شركات في مصاف النخبة، ثم تراجعت في ترتيب الربحية، فقد هبطت «ويل» من المركز التاسع عام 2020 إلى المركز العشرين عام 2026.

ويرى بعض المعلقين أن انهيار «ويل» مرتبط بصورة ما بالذكاء الاصطناعي، وأنا لا أوافقهم الرأي، فقد انهارت شركات المحاماة في ظروف شتى، من حقبة الثمانينيات التي سادت فيها مقولة «الطمع أمر جيد»، إلى فقاعة الإنترنت، فالأزمة المالية، فسنوات الازدهار التي أعقبت التعافي منها، فهي تسقط من الجرف لأسباب مختلفة، لكن هشاشتها البنيوية المتأصلة هي ما يجعلها تتحطم حين ترتطم بالأرض.

والدرس الثاني أنه ما دام محرك الانهيار هو انتقال الشركاء فإن تسارع وتيرة انتقال الكفاءات بين الشركات جعل كل شركة أكثر عرضة للخطر، فقد ازدادت سرعة حالات الانتقال وكثافتها بدرجة هائلة في السنوات الأخيرة، حتى طالت «واكتيل ليبتون روزن آند كاتز»، وهي الأكثر ربحية بين الشركات جميعاً.

والدرس الثالث أن قواعد الحفاظ على تماسك الشركة قد تغيرت، فقد كانت الشركات قادرة في السابق على الاعتماد على روابط الولاء والتقاليد والصداقة، لكن مع تضخم المبالغ المالية على المحك وضعف الأعراف المناهضة للانتقال صار عليها أن تركز على المال بدلاً من ذلك.

وأفضل طريقة اليوم للحفاظ على تماسك الشركة هي التأكد من أن كل شريك يتقاضى ما يقارب قيمته في السوق، بالتالي تصبح الأزمة حتمية حين تتراجع الشركة إلى درجة لا تكفي معها «كعكة» الأرباح لمنح كل شريك حصة تناسب السوق، لكن حتى حين تكون الكعكة كبيرة بما يكفي قد تواجه الشركة مشكلات إذا قسمتها بطريقة خطأ، لهذا أجبر الانتقال المحموم للشركاء شركة «واكتيل» للتخلي عن نظام الأجور المتدرج الشهير لديها، والقائم على الأقدمية، وهو نظام يعطي بعض الشركاء أكثر مما يستحقون، ويبخس حق آخرين، فيخلق فجوات بين ما يتقاضونه وبين قيمتهم السوقية، ما يشجع الشركاء على المغادرة.

أما الدرس الأخير من «ويل غوتشال آند مانجيس» فهو، للأسف، الدرس الأهم: هذا النوع من الانهيار حدث من قبل، وسيحدث مرة أخرى، والسؤال ببساطة هو: متى؟