سارة أوكونور
ربما تكون الصورة الأكثر حضوراً في الذهن عن تأثير التكنولوجيا على الوظائف هي المتعلقة بـ «اللوديين» (Luddites) في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر. وهم عمال نسيج مهرة شكلوا حركة احتجاجية ضد تهديد الآلات لأرزاقهم، بعدما طردوا فجأة من وظائفهم، فعادوا تحت جنح الظلام لتدمير الآلات التي حلت محلهم.
بالتالي، ليس من المستغرب، مع بزوغ عصر الآلات الجديد الذي نعيشه اليوم، أن يتردد على ألسنة الكثيرين سؤال: «هل سيسرق الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟». لكن قصة «اللوديين» ربما دفعتنا للقلق بشأن الأمر الخطأ.
وفي العديد من الأمثلة التاريخية الأخرى الأقل شهرة المتعلقة بالأتمتة، لم يكن العامل الرئيسي للتغيير هو خروج العاملين من وظائفهم، بل بالدخول فيها. فقد تقلصت المهن المهددة بالتكنولوجيا بمرور الوقت لأن أعداداً أقل من الشباب انضموا إليها، لا لأن العاملين الحاليين طردوا منها.
وينطبق هذا، على سبيل المثال، على صناعة الأحذية في العصر الفيكتوري؛ حيث تظهر أبحاث الأكاديمية هيلاري فيبوند أن ظهور آلات خياطة الأحذية أدى إلى «انهيار في معدلات الالتحاق بمهنة صناعة الأحذية اليدوية»، بدلاً من التسبب في طرد جماعي للحرفيين العاملين في هذا المجال.
وهذه أيضاً هي الطريقة التي ساهمت بها التكنولوجيا إلى حد كبير في تقليص الوظائف الروتينية، سواء اليدوية أم المعرفية، خلال نصف القرن الماضي.
فقد وجدت دراسة لسوق العمل في الولايات المتحدة بين عامي 1976 و2018 أن معدلات مغادرة الوظائف الروتينية كانت عادية جداً باستثناء فترات الركود. وكتب الباحثون: «يعود التراجع العام في عدد الوظائف الروتينية أساساً إلى انخفاض معدلات انضمام أفراد جدد إلى هذه المهن».
أما بالنسبة لليوم؟ فرغم المخاوف بشأن «حمام دم» في الوظائف وبعض الأمثلة الملفتة للنظر بين الحين والآخر، إلا أن الذكاء الاصطناعي لم يؤد إلى عمليات تسريح واسعة النطاق للعاملين.
وحتى في أمريكا، حيث يميل أصحاب العمل إلى التسرع نسبياً في فصل الموظفين، يظل معدل التسريح منخفضاً للغاية بالمقاييس التاريخية.
رغم ذلك، وفي المهن الأكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، مثل تطوير البرمجيات، هناك مؤشرات واضحة على أن الإزاحة تتكشف، مجدداً، عبر قلة المنضمين الجدد لا من خلال طرد الموجودين. إذ يتراجع توظيف المبتدئين، ذوي الخبرة المحدودة، بينما يظل الطلب على ذوي الخبرة العالية قوياً.
وهذه ليست قصة أمريكية فحسب. فقد توصلت دراسة حديثة من الدنمارك، تعتمد على بيانات غنية، إلى أن الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي تحيد عن مسار التوظيف الذي كانت تسلكه سابقاً. ويتركز هذا الأثر في الشركات الصغيرة، التي تواصل زيادة عدد موظفيها، ولكن بوتيرة أبطأ من ذي قبل.
وكما أوضح الباحثون: «يحدث التكيف من خلال تقليل التوظيف، لا من خلال تسريح الموظفين الحاليين. فعدد الموظفين الذين تم تعيينهم أخيراً يتناقص باطراد، في حين يتم الاحتفاظ بالموظفين القدامى، بل ربما تزداد فترات بقائهم في العمل».
ويبدو الاتجاه نفسه واضحاً عند فحص أسباب التراجع الأخير في أعداد العاملين في مراكز الاتصال عالمياً. فقد خلصت دراسة أجرتها شركة «ريفيليو» (Revelio) استناداً إلى بيانات من 12 دولة ذات دخل متوسط إلى أن القطاع ينكمش «لأن وتيرة التوظيف تباطأت، وليس لأن حالات الفصل قد ارتفعت».
ولا يزال الوقت مبكراً. لكن إذا استمر هذا الاتجاه، وثبت حقاً أن الهامش الأساسي للتعديل في عصر الذكاء الاصطناعي هو الدخول للوظائف لا الخروج منها، فما هي الآثار المترتبة على صناع السياسات؟
ينبغي تحويل التركيز من بيانات تسريح الموظفين إلى دراسات تتابع الأفراد بمرور الوقت، وتكشف عما إذا كان الشباب يجدون وظائف بديلة، وما إذا كانت هذه المسارات المهنية الجديدة أفضل أم أسوأ. ولا داعي لتبني نظرة تشاؤمية حتمية؛ فالتاريخ يخبرنا بأن الشباب يتمتعون بقدرة عالية على التكيف، خصوصاً عند استكشاف الفرص التي تتيحها التقنيات الجديدة.
لكن هناك مخاطر أيضاً، خصوصاً في ظل استمرار تأخر أنظمة التعليم عن مواكبة متطلبات أصحاب العمل. وقد يتمثل السيناريو الأسوأ في عجز بعض الشباب عن إيجاد موطئ قدم لهم في سوق العمل على الإطلاق. وهذا السيناريو له سوابق تاريخية؛ فقد وجدت دراسة حول تراجع الوظائف الروتينية في أمريكا أن انخفاض معدلات الالتحاق بهذه المهن كان سبباً رئيسياً في ارتفاع نسبة الأشخاص الذين لم يشاركوا في سوق العمل الأمريكي على مدى العقدين الماضيين.
فما هي السياسات التي يمكن أن تساعد في هذا الصدد؟ ليس بالضرورة تلك التي تصورناها سابقاً. على سبيل المثال، سبق وأن أشدت ببرنامج السويد الذي يتيح للعاملين الحصول على إجازة مدفوعة الأجر بهدف التعلم مدى الحياة، وهو برنامج صمم لمساعدة الموظفين على إعادة تأهيل أنفسهم والانتقال إلى مجالات عمل أخرى. لا تزال هذه سياسة جيدة، لكنها مقتصرة على الفئة العمرية ما بين 27 و63 عاماً؛ وبالتالي، فهي لا تقدم أي دعم لتلك الفئة من الناس التي يبدو الآن أنها الأكثر عرضة للتأثيرات الحادة للاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.
ستحتاج هذه الفئة إلى تدخلات من نوع آخر؛ كتعزيز الروابط بين المؤسسات التعليمية وأصحاب العمل، وتوفير قدر أكبر من الأمان والدعم لأولئك الذين يرغبون في تأسيس مشاريعهم الخاصة. بالطبع، قد يؤدي حدوث ركود اقتصادي إلى موجة أكثر حدة واتساعاً من فقدان الوظائف. لكن حالياً، حان الوقت لندرك أن المشكلة التي كنا نخشاها ليست هي المشكلة التي نواجهها بالفعل. ولو أننا أولينا اهتماماً أكبر للتاريخ، لما كان ذلك مفاجئاً.

