إيما جاكوبس
أحياناً ما يتغير مجرى التاريخ بفعل منعطفات صغيرة في القدر، فلو سلكت سيارة الأرشيدوق فرانز فرديناند طريقاً آخر هل كان من الممكن تفادي الحرب العالمية الأولى؟ وبالمثل ينطبق الأمر نفسه على «حرب المهام المنزلية»، التي اندلعت في «إير بي إن بي»، فمن كان يتوقع أن يؤدي تعديل قواعد منصة التأجير إلى كل هذه الضجة؟
كانت «إير بي إن بي» يوماً النموذج المثالي للاقتصاد التشاركي، إذ قدمت للزوار، أو «الضيوف» بحسب لغتها المتكلفة، بديلاً أكثر دفئاً من الفنادق، مع فرصة لمعايشة نمط حياة المضيف، وتناول العشاء في مطعم بيتزا بعيد عن المسارات السياحية المعتادة، ولم يقتصر الأمر على شعور المصطافين بالتميز عن عامة السياح الذين يرتادون المنتجعات، بل أتيحت لهم أيضاً فرصة استكشاف مقتنيات الغرباء في أدراج منازلهم، إلا أن المنصة تعرضت على مر السنوات لانتقادات لاذعة نشرت في الإعلام، بداية من السكان المحليين الذين اشتكوا من السياحة المفرطة.
ومن اضطرارهم فعلاً إلى هجر أحيائهم، بسبب رفع الملاك لأسعار الإيجار، ثم المعركة القانونية حول تأجير عقارات في الضفة الغربية، ورد الفعل الغاضب على انضمام الشريك المؤسس جو جيبيا إلى «إدارة الكفاءة الحكومية»، التي أنشأها إيلون ماسك، وهي «وكالة زائفة».
وعروجاً على شكاوى أخرى فقد نشرت روايات لمضيفين أصيبوا بصدمة لأن مراهقين مشاغبين استخدموا منازلهم في إقامة حفلات صاخبة، وأحياناً يكون الوقع الأسوأ لهذه التصرفات على الجيران، مثل جيران في نورفولك هذا العام، الذين اشتكوا من الصخب، وأحياناً من الأفعال المشينة، التي كان يمكن رؤيتها من فوق السور، لكن كل ذلك يبدو هيناً أمام الضربة الأخيرة.
فقد أعلنت «إير بي إن بي» الأسبوع الماضي حملة على المضيفين الذين يطلبون من الضيوف «إنجاز مهام تتطلب جهداً أو وقتاً كبيراً، أو يؤديها عادة عامل النظافة، مثل نزع الشراشف عن السرير، وإخراج القمامة خارج العقار، أو غسل الأطباق وإعادتها إلى أماكنها»، وقالت المنصة، إن الخطوة جاءت استجابة لشكاوى الضيوف من أن قواعد المنزل قد تكون «مربكة ومرهقة، ويصعب الالتزام بها».
ورحب بعض الضيوف بالقرار، ومنهم جوش رينكون، المؤثر في مجال التمويل الشخصي، الذي لديه 4 ملايين متابع على «فيسبوك»، وكتب: «لقد بلغ جشع مضيفي «إير بي إن بي» حداً جعلهم يعيدون الفنادق إلى الواجهة عن غير قصد! هل تذكرون حين كان يفترض أن تكون «إير بي إن بي» البديل الأرخص والأسهل؟ الآن تحجز مكاناً، وتدفع مئات الدولارات رسوم تنظيف، ثم تجد نفسك في نهاية المطاف وكأنك حصلت على وظيفة ثانية. انزع الشراشف. اغسل الأطباق. أخرج القمامة».
في المقابل ثارت ثائرة المضيفين، وقامت إحداهن، بعد تلقيها تحديثاً لقواعد المنصة، بتصوير عقارها بعد أن تركه أحد الضيوف، الذي كان تحت تأثير المخدرات، في حالة من الفوضى والقذارة، وهددت بنشر المقطع ليس على «فيسبوك» فقط، بل أيضاً على «تيك توك»، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك، فكتب أحدهم «أنا مستعد لترك «إير بي إن بي!» قد تكون هذه القشة التي قصمت ظهر البعير».
وقال مات بورز، مؤسس «جوتشا ستايز»، وهي شركة لإدارة العقارات المستأجرة لفترات قصيرة على «إير بي إن بي» ومقرها لندن، وهو أيضاً قائد مجتمعي متطوع على المنصة، إنه «مصدوم من حجم الضجة التي أثيرت حول هذا الأمر».
وأضاف أنه لم يطلب من الضيوف يوماً ترتيب المكان بأنفسهم، لكنه يرى أن معظمهم يفعلون ذلك على أية حال، جزئياً خشية حصولهم على تقييم سيئ، ولأنهم لا يريدون هم أنفسهم «العيش في قذارة».
رغم ذلك لا يمكنك أبداً التنبؤ أبداً بتصرفات البشر، فبعض المضيفين المرتابين يفضلون أن يترك الضيوف الأشياء كما هي، والويل لمن ينزع الشراشف، إذ يثير ذلك ريبة لا تعني سوى أمر واحد، إخفاء سلوك مريب، مثل محاولة إخفاء تلف ما، مثل تمزيق ملاءات من القطن المصري، أو وضع ملعقة في درج الشوك والملاعق بشكل غير صحيح!
ويرى بول بيليفلام، أستاذ الاقتصاد الرقمي في جامعة «يو سي لوفان» (UCLouvain)، أن هذه الخطوة «مفاضلة محسوبة، فالمضيفون استثمروا في تحقيق دخل من مساكنهم»، أما بالنسبة لتهديدهم بنقل أعمالهم إلى منصات أخرى فهو «معقول من حيث المبدأ، لكن قوته تتوقف على قدرة المنصات المنافسة على توفير حجوزات وعوائد مماثلة».
إن مستقبل «حرب الأعمال المنزلية» هذه يعتمد على المنافسين وردود الفعل المتبادلة، ونأمل أن يعود الهدوء؛ فأنا أخطط حالياً لقضاء عطلة ممتعة في مدينة سراييفو!

