أزمة المفاعلات النووية الصغيرة

كاميلا هودجسون ومارثا موير

تشهد مدينة دارلينجتون بولاية أونتاريو الكندية تجربة عالية التكلفة، إذ تتواصل أعمال تشييد المفاعل الأول من 4 مفاعلات نووية صغيرة، كل منها تقريباً في حجم ملعب كرة قدم، ومن المقرر ربطها بالشبكة الكهربائية الكندية بنهاية العقد الحالي، لتزود كل منها نحو 300 ألف منزل بالكهرباء.

وتقدر تكلفة المشروع بـ21 مليار دولار كندي (15 مليار دولار أمريكي)، لكن المشككين لا يثقون بهذه الأرقام.
وقال مارك وينفيلد، الأستاذ بكلية البيئة بجامعة «يورك» الكندية: «هذا المشروع هو الأول من نوعه، ولا نعرف فعليا ًكم ستبلغ تكلفته النهائية. والمخاطر سيتحملها مستهلكو الكهرباء ودافعو الضرائب».

ويشهد موقع دارلينجتون واحداً من المشاريع القليلة لبناء المفاعلات النووية الصغيرة (SMRs)، التي تحظى بمتابعة دقيقة من المستثمرين وصناع القرار، ويرى مؤيدو هذه المفاعلات أنها ركيزة لثورة الطاقة النظيفة ومستقبل الذكاء الاصطناعي، في حين يعتبرها منتقدوها هدراً للوقت والمال، وإلهاء عن تقنيات أرخص وأكثر كفاءة.

وتدفقت مليارات الدولارات من القطاعين العام والخاص على القطاع الناشئ، الذي جذب العام الماضي تمويلاً قياسياً بلغ 2.9 مليار دولار من القطاع الخاص، وفق بيانات «بيتش بوك». ويحتج الداعمون بأن الطاقة النووية، خلافاً للمتجددة، توفر تياراً مستمراً من الكهرباء من دون حاجة إلى بطاريات تخزين، وبأن المفاعلات الصغيرة أسرع بناء وأقل استهلاكاً للمساحة.

وعالمياً تتسابق الحكومات لدعم هذه المفاعلات لتلبية الطلب المتصاعد على الكهرباء، خصوصاً من مراكز البيانات، وتتوقع المفوضية الأوروبية أن تصبح المفاعلات الصغيرة «مكوناً رئيسياً» في مزيج الطاقة بالاتحاد الأوروبي منذ ثلاثينيات هذا القرن، فيما تعهد البيت الأبيض بنحو 3 مليارات دولار لدعم تطوير المفاعلات، وتمول الحكومة البريطانية جزءاً من مشروع لـ«رولز رويس» لبناء مفاعل صغير في ويلز، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أيضاً أن تضيف هذه المفاعلات من 40 إلى 200 جيجاوات لشبكات الطاقة العالمية بحلول 2050.

وقالت إنها قد تصبح من أكثر تقنيات الطاقة تنافسية إذا وفّى المطورون بوعودهم، غير أن الوعود قد يصعب تحقيقها، ففي 2021 قدرت شركة «إكس-إنرجي»، المدعومة من «أمازون»، تكلفة مشروعها التجريبي بنحو 2.5 مليار دولار، ثم قفز الرقم إلى نحو 6 مليارات في 2023، وحذرت الشركة في يونيو الماضي من استمرار ارتفاع أسعار الموردين.

ويخشى المنتقدون أن يتحمل المستهلك العادي الفاتورة، ففي أونتاريو يحق لشركة «أونتاريو باور جينريشن» استرداد النفقات التي تراها مبررة عبر رفع التعرفة، بل قد يدفع المستهلكون قبل أن يولد المفاعل أي كهرباء.

ويتيح تعديل تشريعي مثير للجدل أُقر العام الماضي للشركة تحصيل فوائد الديون خلال فترة الإنشاء، وتخطط الشركة لاسترداد نحو 800 مليون دولار بزيادة أسعار الكهرباء بين 2027 و2031. في المقابل تؤكد الشركة أن الأسعار ستظل تنافسية، وأن المشروع سيعزز موقع أونتاريو في سوق عالمية ناشئة، وسيوفر 18 ألف وظيفة سنوياً، خلال سنوات البناء الخمس، أما النقاد فيرون أن الإنفاق السخي يستنزف أموالاً كان يمكن توجيهها إلى طاقة متجددة، وبطاريات تتحسن أسعارها وأداؤها، أو إلى مفاعلات تقليدية قد تكون أجدى. ويقول وينفيلد: «لدينا في كندا قائمة من التقنيات المجربة تؤدي دور مفاعل دارلينجتون نفسه دون صعوبة».

نشأت فكرة المفاعلات الصغيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وبحلول 2000 ظهر مفهوم المفاعلات الصغيرة، التي تنتج ثلث طاقة المحطات الكبيرة أو أقل، ومؤخراً اتجهت شركات التقنية الكبرى إليها لتأمين كهرباء للذكاء الاصطناعي، وفي 2024 اتفقت «غوغل» على شراء الطاقة من شركة «كايروس»، ما شجع مستثمرين على ضخ الأموال في شركات أخرى مثل «أوكلو» و«نانو نيوكلير» و«نيوسكيل».

وتتسابق اليوم عشرات الشركات على تصاميم متنوعة، فتصميم «جي إي فيرنوفا هيتاشي» في أونتاريو نسخة مصغرة من تقنية مفاعلات الماء المغلي الموثوق بها، بينما تستخدم «كايروس» أملاح الفلوريد المنصهرة في تصميم تجريبي. وتتابع وكالة الطاقة النووية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 156 تصميماً حول العالم، دخلت 3 منها الخدمة في الصين وروسيا.

ويؤكد المدافعون أن «وفورات التكرار» ستخفض الكلفة وإنتاج التصميم نفسه مراراً في المصانع يجعل كل وحدة أرخص وأسرع تسليماً، وبعض المفاعلات صغير بما يكفي لشحنه كاملاً بالشاحنات أو القطارات أو السفن. ويقول ديفيد شليسل، من معهد اقتصادات الطاقة والتحليل المالي: «لا أحد يعرف كلفة أي من هذه المفاعلات أو مدة بنائها، ولا كفاءة تشغيلها».

وقد أُلغي في ولاية أيداهو الأمريكية المشروع الأول لشركة «نيوسكيل»، بسبب ارتفاع الكلفة وضعف الطلب، وذلك بعد إنفاق 183 مليون دولار من الأموال الفيدرالية من دون تحقيق نتائج رئيسية.

ووجدت دراسة نشرتها «نيتشر كوميونيكيشنز» في أغسطس أن هذه المفاعلات قد تكون تنافسية للعملاء الصناعيين، مثل مصانع الصلب ومصافي النفط، بشرط حصولها على إعفاءات ضريبية أمريكية.

وتقدّر «أوكلو» كلفة الكهرباء من مفاعلاتها بين 80 و130 دولاراً للميجاوات/ساعة، مقابل نحو 45 دولاراً للطاقة الشمسية التجارية في 2025، وأقل من 60 دولاراً للشمسية المقترنة بالتخزين، و50 إلى 110 دولارات للمشاريع النووية الكبيرة، التي تسلم في موعدها وضمن ميزانيتها، وفق وكالة الطاقة الدولية، إلا أن الوكالة والخبراء ينبهون إلى أن الموثوقية والمرونة لا تقلان أهمية عن السعر.

وقال الشريك المؤسس في «أوكلو»، يعقوب ديويت، إن «مراكز البيانات حالياً أكبر العملاء وأنشطهم»، وتشارك «غوغل» في تمويل مفاعل لـ«كايروس» في ولاية تينيسي، على أن تدفع الحكومة ثمن الكهرباء فقط عند وصولها إلى الشبكة.

أما فولفغانغ دينك من «دينك نيوكلير» الاستشارية فيرى أن مستثمري رأس المال المخاطر لا تثنيهم ضآلة فرص النجاح: «فكلما كانت القصة أبعد عن المعقول كان أفضل، فهم يريدون مضاعفة أموالهم عشر مرات»، لكنه قال إنه شخصياً أكثر تفاؤلاً بالنووي من أي وقت مضى، من دون أن يرى الفرصة الحقيقية في المفاعلات الصغيرة.