عصر جديد من الجاهزية والاستعداد للطوارئ

بيليتا كلارك
حدث شيء غير مألوف في بريطانيا أخيراً. حاولت الحكومة القيام بأمر ما، ونجحت فيه. فقد سارع كثير من المواطنين لاتباع نصيحة الوزراء بتخزين ما يكفي من الاحتياجات الأساسية لثلاثة أيام تحسباً لوقوع كارثة، إلى درجة أن مبيعات الأغذية المعلبة في السوبر ماركت قفزت بنسبة 40 %. كما نفدت أجهزة الراديو التي تعمل باللف اليدوي من المتاجر المتخصصة في بيع مستلزمات النجاة، إلى جانب أقراص تنقية المياه.
أعرف رجلاً اشترى راديو، وآخر اشترى ما يكفي من العبوات البلاستيكية التي تستوعب تسعة لترات من المياه، التي من الواضح أن الفرد يحتاجها للشرب على مدار ثلاثة أيام، فضلاً عن أعداد إضافية من عبوات المياه للغسيل والطهي. وفي المنزل، بدأ زوجي يتساءل عما إذا كنا نملك أي مصابيح يدوية صالحة للاستخدام، وهو أمر غير مرجح، أو سيولة نقدية، وللأسف لا نملك هذا، أو حقيبة إسعافات أولية، وهذا البند لدينا منه شيء، لكن ليس بالمعنى الفعلي.
وفي المكتب، دارت نقاشات بين الزملاء حول المذاق السيئ للحمص المعلب، واستخدم مصطلح «الاستعداد» دون أي تهكم.
وبدا لي كل هذا غريباً، فعندما أصدرت الحكومة التوجيهات الاحترازية نفسها تقريباً قبل عامين، أتذكر أن أحداً ممن أعرفهم لم يأت على ذكر الأمر، ناهيك عن اتخاذ أي إجراء بناءً عليها. ربما يعود ذلك إلى أن نصائح عام 2024، التي صدرت في الأسبوع الأخير من شهر مايو، حين تتجه الأفكار نحو العطلات الصيفية في مايوركا بدلاً من القلق من الانهيارات.
أما هذا العام، فقد جاءت التوجيهات بعد انقطاع الكهرباء عن الآلاف جراء عواصف شتوية قاسية للمرة الأولى، وعلى خلفية صيف شديد الحرارة، وحديث لا ينتهي عن بوتين، والهجمات السيبرانية، والحروب الممتدة في أوكرانيا والشرق الأوسط.
لقد أصبحنا، إن صح التعبير، مستعدين تماماً لفكرة «الاستعداد».
ولكن مع انقضاء الأسبوع، اتضحت مسألة أخرى، أن حالة الاستياء والإحباط التي احتدمت في بيئة العمل أثناء الجائحة ستبدو ضئيلة للغاية إذا اضطررنا يوماً لاستخدام مخزونات الطوارئ هذه.
وتساءل أحد الزملاء عندما ذكرت أنني أبحث في موقع «أمازون» عن عبوات المياه: «من يملك مساحة في شقته لتخزين عبوات المياه؟»، بينما قال آخر متعجباً عندما ذكرت بحسن نية أنني أخطط لتخزين مؤونتي في المرآب: «أنت لديك مرآب إذاً!».
وفجأة، وجدت نفسي أعود بالذاكرة إلى الأشهر الأولى من عام 2020، عندما بدأ يتكشف للمرة الأولى أن الزملاء في العمل يعيشون أنماط حياة مختلفة تماماً لم نكن نلاحظها من قبل.
فقد كشف بزوغ عصر العمل من المنزل أن بعضنا يملك بيوتاً ثانية في الريف مزودة بمكاتب ذات أسقف خشبية واتصال إنترنت فائق السرعة، بينما كان على آخرين التوفيق بين اتصال إنترنت ضعيف ومشاركة طاولة المطبخ مع رفاق السكن.
في ذلك الوقت، كان الجميع يملكون الكهرباء على الأقل. أما في «عالم الاستعداد للطوارئ»، فمن السهل أن نتخيل الذين يمكنهم مواصلة العمل لأن لديهم الإمكانيات لتزويد منازلهم بألواح شمسية وبطاريات ضخمة، مقابل من يعجزون عن ذلك.
وبالحديث عن الألواح الشمسية، قد تكون هذه الأوقات المتوترة بمثابة نعمة لفئة مهمشة نوعاً ما من الموظفين، وهم «الآباء المهتمون بالحياد الكربونى».
ولأسباب يصعب عليّ تفسيرها، يمضي الرجال من سن ونمط معين، إذا تركوا دون انشغال في المكتب، ساعات طويلة في مناقشة المزايا المتنوعة لمحولات البطاريات وأنظمة الشحن من السيارة إلى الشبكة في سعادة مفرطة.
يؤدي هذا بالطبع إلى سخرية الزملاء الذين لا يعرفون الفرق بين مضخات الحرارة ذات المصدر الهوائي والمصدر الأرضي، ولا ينوون معرفته أصلاً. ولكن عندما تحين ساعة انقطاع التيار الكهربائي، سنرى من يضحك أخيراً. هذا بالطبع، ما لم يكن أحد هؤلاء الآباء المهووسين بالطاقة النظيفة هو المسؤول أيضاً عن التخطيط لاستمرارية الأعمال. فمهمة ضمان قدرة المؤسسة على الصمود خلال الأزمات كانت دائماً أمراً بالغ الصعوبة ومثيراً للإحباط..
ما زلت أتذكر ذلك اليوم قبل سنوات عدة عندما تسبب حادث ما في إخلاء مقر صحيفة «فاينانشال تايمز». كنت ضمن مجموعة من محرري الأخبار الذين هرعوا عبر المدينة إلى «مركز استمرارية الأعمال»، حيث كانت تنتظرنا مجموعة من أجهزة الكمبيوتر لمساعدتنا في إصدار الصحيفة. لكن للأسف، وصل عدد منا دون بيانات الدخول المطلوبة، ما عرقل استمرارية العمل. ومنذ ذلك الحين، لم أنسَ قط مدى سهولة انهيار أكثر خطط الطوارئ إحكاماً بسبب «العامل البشري».
ومما لا شك فيه أن البعض سيكون أكثر استعداداً من غيرهم. فالحكومات الأخرى تمطر مواطنيها بتوجيهات الاستعداد للكوارث منذ سنوات. ومقارنة بالإرشادات البسيطة لبريطانيا، فإن الكثير منها يبدو حازماً للغاية. فنصائح النرويج تمتد إلى 20 صفحة، وقائمة «مؤونة الطوارئ» في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية تضم نحو 50 صنفاً، بما في ذلك الأجبان طويلة الأجل وميزان حرارة. أما القائمة الأمريكية فتقترح صفارة ومطفأة حريق.
آمل أن تكون هذه التدابير فعالة، والأهم من ذلك، آمل ألا نضطر أبداً لاختبار مدى فاعليتها.