كاتي مارتن
يدخل المستثمرون الآن مرحلة محفوفة بالمخاطر، حتى إن الأكثر تفاؤلاً يقرون بأن مزاج السوق أصبح أسوأ، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي ستفتح باب المخاطر على جبهتين رئيستين، الذكاء الاصطناعي والجيوسياسة. وفي الحقيقة، بعيداً عن ضجيج وآمال التداولات في الذكاء الاصطناعي، شهد النصف الثاني من العام أداءً باهتاً في الأسواق بعد بداية قوية سرعان ما خبت، إذ لم ترتفع الأسهم العالمية سوى بنسبة ضئيلة بلغت 2 % منذ بداية يوليو، ويرجع ذلك غالباً إلى أن السوق كان مشغولاً بعدم الذهاب في أي اتجاه.
ولا تزال بعض شركات التكنولوجيا الكبرى تحقق نتائج جيدة، والمستثمرون متفائلون بالطرح العام المحتمل لشركة «أنثروبيك» هذا الخريف، رغم تحذيراتها من القضاء على حياة البشر. ومن الجيد بالطبع الإفصاح عن كل عوامل الخطر للجهات الرقابية. ولا يمكن إلقاء اللوم على «أنثروبيك» في ذلك. فعندما نجد أنفسنا جميعاً نقتات على لحاء الأشجار، ونتفادى أشعة الليزر التي تطلقها الروبوتات، لن يكون بوسعنا القول إنهم لم يحذرونا!
إلا أن أسعار الفائدة المرتفعة، التي جاءت عكس ما توقعه المستثمرين في بداية العام، ألقت بظلالها الثقيلة على القطاعات الأكثر تأثراً بالدورات الاقتصادية. ورغم ارتفاع مؤشر «إس أند بي 500» بنسبة 12 % العام الجاري، مع الإشارة مرة أخرى إلى أن بداية العام كانت وراء غالبية هذا الصعود، لكن باستبعاد قطاع التكنولوجيا، ستنخفض هذه النسبة إلى النصف.
والآن، بدأت التصدعات تظهر في تداولات الذكاء الاصطناعي أيضاً. وجاء التحذير المبكر من سوق الأسهم الكورية الجنوبية، المعروفة بتركيزها الكبير على رقائق الذاكرة، حيث هبط مؤشر «كوسبي» بنحو 40 % عن ذروته في يونيو.
وهذا الشهر، أثارت الشكوك المتزايدة حول استدامة الاقتراض الضخم لتمويل إنشاء مراكز البيانات ذعراً في أسواق الديون. ولا يزال المحللون والمستثمرون يتجادلون حول ما حدث. هل القلق نابع من فشل الشركات في تحقيق أرباح بالسرعة الكافية لسداد ديونها؟ أم أنه الخطأ التقليدي، بالتقاء الاقتراض الهائل مع الارتفاع غير المتوقع في تكاليف الاقتراض؟ والأرجح أنه مزيج من الأمرين. والخلاصة هي أن الأرباح السهلة تحققت بالفعل، وأن تجنب المآزق التالية أصبح أكثر صعوبة.
وهذا تماماً ما حدث لشركة «ألفابت»، الشركة الأم لـ «جوجل»، هذا الأسبوع. ففي نتائجها المالية ربع السنوية، أبلغت المستثمرين أنها مستمرة في إنفاق أموال طائلة على توسعها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. لكنها كشفت أيضاً أن البحث عبر «وضع الذكاء الاصطناعي» بدأ يلتهم أرباح إعلاناتها، وهو نشاطها الأساسي. ويفترض أن الذكاء الاصطناعي يعزز أرباح الشركات التي تستخدمه. فإذا كانت «ألفابت» نفسها لا تعرف كيف تفعل ذلك، فهل لدى الشركات الأخرى أمل؟.
وأدت هذه الأنباء إلى محو 500 مليار دولار هائلة من القيمة السوقية لأسهم «ألفابت»، وهو ثاني أكبر تراجع في تاريخ الأسواق، بعد الهبوط الحاد لشركة «إنيفيديا» بقيمة 593 مليار دولار في يناير 2025.
وفجأة، وجد كبار المنفقين على الذكاء الاصطناعي أنفسهم في موقف لا يمكنهم الربح منه. فإذا استمروا في ضخ الأموال في إنشاء مراكز البيانات وما شابهها، فسيظهرون وكأنهم يحملون أنفسهم ديوناً مفرطة. وإذا قلصوا الإنفاق، سيفسر ذلك على أنه إشارة على أن الطفرة قد ولت. وهكذا تتعرض الفكرة كلها لتساؤلات وتدقيق مكثف، وسترتفع أصوات مستشاري إدارة الثروات، بأكثر من المعتاد، لتحذير عملائهم بأهمية تنويع رهاناتهم.
والآن، يجب علينا أن نضيف مزيجاً آخر إلى هذه البيئة التي تتمايل تحت ديون التقنية والهجمات المفاجئة على أسهم شركات التقنية الكبرى، وهو انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، المقررة يوم الثلاثاء، والتي عادة ما تكون أمراً جيداً للأسواق الأمريكية. وتشير حسابات «دويتشه بنك» إلى أن 21 من آخر 23 عاماً شهدت انتخابات تجديد نصفي، حققت السوق أرباحاً إيجابية في الربع الرابع، بمتوسط صعود بلغ 7 % لمؤشر «إس أند بي 500». وهذا أمر منطقي، فالمستثمرون عادة يتخندقون قبل التصويت، تحسباً لأي مفاجآت، ثم يعاودون تعزيز رهاناتهم بعد انتهاء الانتخابات. وهذا النمط مقبول تماماً الآن.
والخطر الواضح الآن، هو احتمال حصول الديمقراطيين على أغلبية واسعة في كلا المجلسين، وهو أمر صعب بلا شك، ما يسمح للحزب بتمرير قواعد تنظيمية أكثر صرامة للذكاء الاصطناعي، الذي يتمتع حتى الآن بمرونة وحرية حركة في الكونجرس والبيت الأبيض.
كما قال لي المستثمرون أيضاً، إن تحقيق الحزب الجمهوري لنتيجة متواضعة في انتخابات التجديد النصفي، سيضيق الخناق على دونالد ترامب، ويفتح الباب أمام مختلف المخاطر الجيوسياسية. والتي تتضمن المزيد من العنف في الشرق الأوسط، وما يرافق ذلك، وبتكلفة إنسانية واضحة، وتصاعد الضغوط على ارتفاع أسعار النفط. وخلف الأبواب المغلقة، يجري المستثمرون في أوروبا أنهم محاكاة لسيناريوهات مروعة، بما في ذلك الاحتمال الضئيل، وإن كان مدمراً، بأن تسعى الإدارة الأمريكية إلى مصادرة أصولهم داخل الولايات المتحدة.
بناء عليه، يبدو أن توخي الحذر أصبح أمراً مبرراً للأسابيع القادمة. ففريق الأصول المتعددة في بنك «إتش إس بي سي»، الذي كان شديد التفاؤل تجاه الأسهم، ولم يظهر منذ شهر مارس وجود حاجة للجوء إلى السندات الحكومية كملاذ آمن، غيّر موقفه الآن، لاحتمالية فوز الديمقراطيين الكاسح في الانتخابات، وما يحمله ذلك من تداعيات على الذكاء الاصطناعي، وتصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط. وقال الفريق: في ظل حالة عدم اليقين المستمرة، وتضارب الروايات، لم يعد بإمكاننا التمسك بمستوى القناعة السابق. وقبل الوصول إلى ما يتوقعون أنه سيكون عاماً إيجابياً في 2027، تحولوا حالياً إلى موقف محايد تجاه الأسهم، وموقف إيجابي تجاه السندات الحكومية التي تعمل كماصٍ للصدمات في فترات التوتر.
لقد بدأت البرودة تسري في الأسواق. فارتدوا ما يقيكم البرد.

