مخاوف يمكنها تحديد مصير الطرح العام لـ «أنثروبيك»

جون ثورنهيل

يتوقف نجاح الطرح العام الأول المرتقب لشركة «أنثروبيك» من عدمه على أي الخوفين سيكون أشد تأثيراً: الخوف من تفويت الفرصة، والخوف من الوقوع في الخطأ.

وقد شرح لي أحد كبار الماليين الخوف الأول ببراعة؛ فعندما أخبرته بأني أجد صعوبة في فهم كيف يمكن لشركة تكبدت خسائر بقيمة 81 مليار دولار في النصف الأول من العام أن تتجاوز قيمتها 1.75 تريليون دولار، أجاب بأن رأي المراقبين لا أهمية له، وأن المعيار الوحيد هو مدى قبول السوق لهذا الرقم.

وتابع أن «أنثروبيك» ستطرح أسهمها بسعر معين، وسيكون للمستثمرين خيار القبول أو الرفض. وتوقع أن أغلب مديري الصناديق لن يرغبوا في تفويت فرصة امتلاك حصة في واحدة من أكثر الشركات استثناءً في التاريخ، بغض النظر عن السعر.

وأبرزت نشرة الاكتتاب العام لشركة «أنثروبيك» هذا الأسبوع الجوانب المتميزة للشركة العاملة في الذكاء الاصطناعي. ورغم أنها لا تزال في سنتها الخامسة، إلا أنها أطلقت بالفعل أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي قوة وانتشاراً في العالم، وجمعت تمويلات بقيمة 141.1 مليار دولار، وحققت أسرع نمو في الإيرادات سجلته أي شركة من قبل.

وبلغت إيرادات «أنثروبيك» 16.3 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، بزيادة 12 ضعفاً مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، حيث دفع أكبر 250 عميلاً لديها أكثر من 10 ملايين دولار لكل منهم مقابل أدوات «كلود» خلال العام الماضي.

وتؤكد الشركة أن قيمة الذكاء الاصطناعي تسير وفق منحنى تصاعدي متسارع، وأنها في موقع يؤهلها للاستحواذ على حصة كبيرة منها. ومثل خلطة سحرية تضفي نكهة على أي طبق، تعد نماذجها بالمساعدة في تطوير العلوم وعلاج الأمراض وتحفيز النمو الاقتصادي.

وقال داريو أمودي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، متحدثاً عن قدرة الشركة على توسيع نطاق نماذجها: «لا توجد نهاية لقوس قزح، بل يوجد قوس قزح فقط».

وكي لا يفرط المستثمرون في التفاؤل، كشفت نشرة اكتتاب «أنثروبيك» عن مخاوفها بشأن الطرق العديدة التي قد تتعثر بها الشركة، وكتبت عوامل المخاطرة في 94 صفحة من وثيقة مكونة من 335 صفحة.

وتشير الوثيقة إلى أن «أنثروبيك» شركة ذات نفع عام، تهدف إلى ما هو أبعد من تعظيم الأرباح، وقد منحت مؤسسيها السبعة هيمنة صارمة. ولا تزال الشركة في نزاع مع الحكومة الأمريكية، وتم تصنيفها على أنها «خطر على سلسلة التوريد». فيما حذرت «أنثروبيك» من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها قد تخرج عن السيطرة وتتسبب في أضرار جسيمة قد تترتب عليها التزامات كبيرة. وأضافت الوثيقة أنه ببساطة قد يشكل الذكاء الاصطناعي مخاطر «كارثية أو وجودية» على البشرية.

ويستحيل قياس معظم هذه المخاطر كمياً. لكن على الأقل لن يتمكن أي مستثمر من الشكوى من أنه لم يتلق تحذيراً إذا قضت «أنثروبيك» على البشرية، وإن كان ذلك لن يكون مهماً كثيراً حينها. ولكن المستثمرين سيركزون على القسم غير المكتمل من النشرة المتعلق بالتزامات الإنفاق المستقبلي.

وقد أوضحت الشركة أنها أبرمت اتفاقيات شراء عدة، متعددة السنوات وغير قابلة للإلغاء، لخدمات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. وإذا لم تغط الإيرادات المستقبلية هذه الالتزامات، فقد تؤدي هذه الأعباء إلى التعثر في السداد، وقيود شديدة على السيولة.

وحساب الاحتياجات المستقبلية لسعة مراكز البيانات أمر بالغ الصعوبة؛ فالتقدير القليل يعني أن «أنثروبيك» ستخاطر بالتخلف عن ركب تطوير النماذج المتقدمة والعجز عن تلبية طلب العملاء، والتقدير الزائد ربما يؤدي إلى نفاد أموالها. وفي الوقت الحالي، تركت الشركة الجدول الزمني للمدفوعات فارغاً. لكن شركة «بيتش بوك» تقدر أن التزاماتها المستقبلية تراوح بين 450 ملياراً و600 مليار دولار قبل عام 2031.

وفي مؤشر مقلق، ظهرت تصدعات في سوق مراكز البيانات مع قلق المستثمرين بشأن حجم الاستثمارات وتساؤل المستخدمين عن تكلفة وقيمة نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة. ورغم كل الزخم، فإن الذكاء الاصطناعي لم يحقق حتى الآن «أي عائد مالي لقطاع الأعمال الأمريكي خارج نطاق التكنولوجيا»، حسب ما كتبه تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في «أبوللو» أخيراً.

وتراجعت أسهم الشركات السحابية المختصة في الذكاء الاصطناعي المدرجة، مثل «كور ويف» و«نيبيوس»، بشكل حاد، فيما أجلت شركات ناشئة غير مدرجة طرح أسهمها.

وادعى إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» التي جمعت 151 مليار دولار من تمويلات الأسهم والديون في وقت سابق من العام، أن أسواق الدين مغلقة الآن أمام الشركات التي تعتمد كلياً على إيرادات مراكز البيانات. ونشر على منصة «إكس» أن أكثر من 200 شركة سحابية جديدة ستشهد «موجة اندماجات على مستوى الكيانات الصغيرة».

وحسب أحد المحللين الماليين، فشركات التكنولوجيا الكبرى المدرجة، والمختبرات الخاصة المتقدمة بما فيها «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، والشركات السحابية المختصة المدرجة، أفصحت عن ديون والتزامات طاقة حوسبية وسعة غير قابلة للإلغاء بقيمة 2.1 تريليون دولار. ويمكن مقارنة هذا الرقم بـ 1.3 تريليون دولار من الرهون العقارية عالية المخاطر في مارس 2007، التي ساهمت في اندلاع الأزمة المالية العالمية في العام التالي.

وكما بدأت العديد من الرهون العقارية ذات الفائدة المتغيرة حينها بمعدلات تشجيعية منخفضة لمدة عامين قبل أن ترتفع تكاليفها بشكل حاد، فإن عقود «الإلزام بالدفع» في قطاع الذكاء الاصطناعي قد تؤدي لإجبار الشركات على دفع ثمن سعات لا تستخدمها أبداً. وقد يرتطم القطاع قريباً بجدار إعادة ضبط ضخم.

ويرى بن طومسون، مؤلف النشرة الإخبارية «ستراتيجري»، أنه إذا حققت «أنثروبيك» الإيرادات المتوقعة، فقد يستقر المستثمرون إلى أنها تمثل «خيار شراء معقولاً على مكاسب لا حصر لها ظاهرياً».

وهذا بالتأكيد هو نوع الرهانات التي يدخل مستثمرو رأس المال المغامر السوق لأجلها، وهو ما يفسر وصول «أنثروبيك» إلى ما هي عليه اليوم. لكنه خيار سيكون مديرو الصناديق المؤسسية أكثر تخوفاً منه. فحتى الشركة المذهلة ذات التكنولوجيا المذهلة لا تتحول دائماً إلى استثمار مذهل عندما يكون سعر الطرح العام الأولى مرتفعاً للغاية ومخاطرها غير قابلة للقياس.