كاي-فو لي
الرئيس التنفيذي لشركة 01.ai والرئيس السابق لجوجل الصين
في عام 1958 تنبأ باحثان في مجال الإدارة، يتمتعان برؤية استشرافية، عبر مجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، بأن أجهزة الحاسوب ستقضي على الإدارة الوسطى بحلول ثمانينيات القرن العشرين، وكان توقعهما سابقاً لأوانه، إلا أنه لم يكن صحيحاً إلا بشكل جزئي، فقد تولت الحواسيب أتمتة العديد من المهام التي كان يؤديها المديرون، لكنها لم تحل محل المديرين أنفسهم.
وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حاولت شركات «وادي السيليكون» هندسة ما أطلق عليه اسم «التسطيح الكبير» للهياكل التنظيمية، أي تقليص الكوادر البشرية بأكبر شكل ممكن، وسرعان ما وجد لاري بيج، في شركة «جوجل»، نفسه غارقاً في تقارير النفقات والنزاعات المتعلقة بالموارد البشرية، ما أدى إلى عودة المديرين إلى مناصبهم في غضون أشهر قليلة.
وبحلول عام 2005 حين انضممت إلى الشركة لتأسيس عملياتها في الصين اعتمدت بشكل كبير على مستويات متعددة من الإدارة الوسطى لإنجاز مهامي، إذ لم يكن العمل في مؤسسة متعددة الثقافات واللغات ممكنا دون ذلك، واليوم يقال، إن الذكاء الاصطناعي مهيأ لإعادة تشكيل الهيكل التنظيمي للشركات بشكل جذري، وربما ينجح الأمر هذه المرة في التسطيح الكبير.
المؤسسة، في جوهرها، ليست سوى نظام للمعلومات، وقد نشأت الإدارة الوسطى بدافع الضرورة، إذ لا يمكن لأي مسؤول تنفيذي قراءة كل وثيقة في الشركة أو التحدث إلى كل موظف، لكن في الوقت نفسه كل مستوى إضافي في قنوات التواصل قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو فقدان دقتها.
ويمكن للذكاء الاصطناعي تجاوز هذه المشكلة من خلال الوصول المباشر إلى المصادر الأولية للمعلومات، مثل محاضر الاجتماعات، وتذاكر الدعم الفني، والوثائق المشتركة. هذه هي «البيانات الكامنة» التي لطالما كانت في حوزة الشركات دون أن تتمكن من الاستفادة منها بسهولة، أما الآن فقد أصبحت متاحة مباشرة للإدارة العليا، ما يتيح شفافية جذرية.
وأصبح بإمكان المسؤولين التنفيذيين الاستعلام عن البيانات الأساسية، ومراجعة المواد الأولية، ومقارنة الملخصات بالعمل الفعلي على أرض الواقع، وفي شركتي أستخدم نظاماً يطلق عليه زملائي اسم «ذكاء كاي-فو الرئيس»، وهو نظام يرتبط بكل سجلات الشركة ومراسلاتها. وقد رصدت ذات مرة، من خلال هذا النظام، فريقين قضيا ثلاثة أشهر في تطوير الميزة نفسها، بل وكررا الأخطاء نفسها دون أن يلاحظ أحد ذلك.
وعندما تنخفض تكلفة نقل المعلومات ومطابقتها إلى أدنى مستوياتها، ستفقد الأدوار الوظيفية، التي أُنشئت للقيام بهذه المهام أهميتها وتتلاشى. قد يبدو هذا بالنسبة لمدير في الإدارة الوسطى وكأنه نعي لوظيفته، لكن إذا نظرنا إليه من زاوية أخرى فسنجد أنه بمثابة إعلان عن فرصة وظيفية جديدة.
سنبدأ في رؤية المزيد من الشركات تتبنى هياكل تنظيمية أكثر تسطحاً، مع تقليص سلسلة القيادة؛ بحيث يقتصر الهيكل في قمته على الفريق التنفيذي. يأتي تحت هذا المستوى ما يعرف بـ«الأفراد المسؤولين مباشرة»، وهو مصطلح تستخدمه شركة «أبل» داخلياً. ويتولى كل فرد منهم مسؤولية تحقيق نتيجة معينة من بدايتها إلى نهايتها. سواء كانت تتعلق بمنتج، أو سوق، أو إدارة مخاطر جسيمة، وفي المؤسسات الكبيرة سيتحول بعض المديرين في المستويات الوسطى إلى «أفراد مسؤولين مباشرة»، خصوصاً الذين يتكيفون بسرعة مع مجموعة أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة.
ما سيتغير هو طبيعة القيمة التي يقدمها المدير؛ فبينما يمكن لوكيل الذكاء الاصطناعي تحديد سعر عقد ما يظل المديرون، الذين يوجهون عمل هذه الأدوات، ويتحملون تبعات قراراتها، ركيزة أساسية في شركاتهم.
ولا تزال السمات البشرية ضرورية؛ فمع تسريع الذكاء الاصطناعي للمهام الروتينية وخفض تكلفتها سيصبح لدى المديرين في المستويات الوسطى متسع من الوقت لممارسة الحكم السليم، وتوجيه الأفراد، وإدارة العلاقات المعقدة.
وقد أظهرت تجربة شركة «جوجل» أن تسطيح الهيكل التنظيمي بسرعة مفرطة يؤدي إلى ضعف التنسيق واستياء الموظفين، وإرهاق المديرين التنفيذيين، فضلاً عن احتمالية فقدان المعرفة المؤسسية، لأنه بإمكان المديرين ذوي الخبرة نقل الحكمة التي اكتسبوها عبر سنوات من العمل، والتي تشمل دروساً مستفادة من إخفاقات سابقة أو علاقات تضررت بمرور الوقت، وحتى في حالة اعتماد الشركات على وكلاء الذكاء الاصطناعي لإنجاز معظم المهام تظل العلاقات مع الأقسام الأخرى والشركاء والعملاء تعتمد على مهارات بشرية بحتة.
وكلما توسع نطاق المهام التي يتولاها الذكاء الاصطناعي زادت قيمة المديرين، إذ سيتحول دورهم من الإشراف المباشر على التنفيذ إلى بناء الثقة، وتعزيز العلاقات، وتوجيه فرق العمل وسط حالة من عدم اليقين، وهي مهارات لم تكن يوما أكثر أهمية مما هي عليه اليوم.
وكلاء الذكاء الاصطناعي يحتاجون إلى مديري الإدارة الوسطى

