الأسهم الخاصة تدخل مرحلة النضج

روبرت أرمسترونج
صناعة الأسهم الخاصة تمر بمرحلة صعبة، فعلى مدار السنوات الخمس الماضية تخلفت عوائد صناديق الأسهم الخاصة الأيريكية عن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من ثلاث نقاط مئوية سنوياً، فيما بالكاد تمكنت الصناعة من مجاراة أداء المؤشر على مدار 10 و15 عاماً، وامتدت فترات الاحتفاظ بالاستثمارات إلى سبع سنوات، مقارنة بخمس سنوات قبل 15 عاماً.

في الوقت نفسه ينتظر نحو 1.3 تريليون دولار من السيولة غير المستثمرة، المعروفة باسم «الذخيرة الجافة»، فرصاً مناسبة، بعد أن ظل أكثر من 40 % منها معطلاً لأكثر من عامين، فيما يتوقع أن يتراجع جمع الأموال للعام الثالث على التوالي، كما تتعرض الرسوم لضغوط، مع مطالبة كبار المستثمرين المؤسسيين بفرص للاستثمار المشترك من دون رسوم، إلى جانب مشاركتهم في الصناديق.

وتتجه صفقات استحواذ عديدة في قطاع البرمجيات، الذي كان القطاع المفضل لصناعة الأسهم الخاصة خلال سنوات الازدهار، إلى إعادة الهيكلة، مع اقتراب استحقاق موجة من الديون، كما شهدت أسهم كبرى شركات إدارة الأصول البديلة المهيمنة على القطاع، مثل «بلاكستون» و«أبولو» و«كيه كيه آر»، عاماً ضعيفاً، واضطر أحد أكبر الصناديق المفتوحة باستمرار، والموجهة إلى الأفراد الأثرياء، إلى تقييد طلبات الاسترداد هذا الصيف، بعدما سارع المستثمرون إلى الخروج.

وسيقول منتقدو الصناعة، وهم دائماً كثر، إن هذه التطورات تؤكد صحة تحذيراتهم القديمة من أن التناقضات الداخلية للقطاع بدأت ترتد عليه، لكن هذا ليس ما يحدث فعلياً، فما نشهده يعكس، من ناحية تراجعاً دورياً، ومن أخرى نهاية حقبة أسعار الفائدة المنخفضة، والأهم أن الصناعة توسعت بصورة هائلة، وأصبحت تتكيف مع الطابع المؤسسي، واشتداد المنافسة، وتأثير اتساع حجم الأصول التي تديرها في قدرتها على تحقيق أداء متفوق. لم تعد الأسهم الخاصة، بأي معنى، استثماراً «بديلاً»؛ إنها ببساطة تدخل مرحلة النضج.

قبل خمس سنوات، حينما كانت الأسواق المالية تعج بالسيولة في طفرة ما بعد الجائحة، وكانت أسعار الفائدة منخفضة، اندفعت صناعة الأسهم الخاصة في موجة من الصفقات المحمومة، دفعت خلالها أسعاراً مرتفعة لشراء الشركات وأثقلتها بالديون، لكن كثيراً من هذه الشركات لم يحقق النمو المأمولن ومع إعادة تسعير ديونها عند معدلات فائدة أعلى أصبحت القيمة المتبقية لحقوق الملكية لا تحقق عائداً مقبولاً.

وتجنب مديرو صناديق الأسهم الخاصة إلى حد كبير التخارج من هذه الاستثمارات، لأن ذلك سيجعل النتائج الضعيفة واقعاً محققاً، مفضلين انتظار انتعاش الأرباح أو عودة أسعار الفائدة المنخفضة، وهما احتمالان لا تبدو عودتهما مرجحة بالقدر نفسه. ويشكو كثير من المديرين من أن الأسواق العامة، التي تمثل مساراً تقليدياً للتخارج، لم تعد تعمل بكفاءة، ولا تستطيع تقييم شركاتهم تقييماً سليماً، لكن هذا مجرد وهم.

لا شيء في هذه الصورة يدعو إلى التفاؤل، لكنه يعكس سلوكاً دورياً متوقعاً ومتأصلاً في القطاع المالي عموماً، وليس في الأسهم الخاصة وحدها. وتشهد الأسواق العامة تغييرات مماثلة أيضاً، وسيقول كل مدير في قطاع الأسهم الخاصة، إن كثيراً من منافسيه، بخلافه هو، تخلوا عن التدقيق في اختيار الأصول، والانضباط في التسعير، وإعادة الهيكلة التشغيلية الفعلية، معتمدين على الرافعة المالية، وارتفاع التقييمات لتحقيق النتائج، لكن هذه اللعبة انتهت الآن، ويكتشف المستثمرون في الأسواق الأمريكية العامة أمراً مشابهاً، غير أن وراء هذه الاتجاهات الدورية تحولاً هيكلياً أكثر أهمية، فقبل عقدين كانت صناعة الأسهم الخاصة في أوروبا والولايات المتحدة تدير أصولاً بقيمة 630 مليار دولار، وفق بيانات شركة «بريكن»، أما اليوم فقد ارتفع الرقم إلى 6 تريليونات دولار.

في بداياتها جذبت الصناعة المستثمرين المؤسسيين، بفضل عوائد تفوق باستمرار ما توفره الأسواق العامة بفارق كبير، لكن هذه العوائد لن تعود على الأرجح، فمن جهة أصبحت الشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة أكثر إدراكاً لقيمتها؛ فتحولت صفقات الاستحواذ إلى مزادات تنافسية بدلاً من مفاوضات ثنائية هادئةن وارتفعت أسعار الشراء تبعاً لذلك، ومن جهة أخرى يدرك كل مدير أموال أن تحقيق أداء يتفوق على السوق يصبح أصعب كلما زاد حجم الأصول التي يديرها، مع تقلص عدد الشركات المستهدفة الكبيرة بما يكفي لإحداث فارق ملموس في النتائج، ولا يعني ذلك أن الأسهم الخاصة فقدت جاذبيتها، فالرفع المالي يضخم العوائد، كما أنه يمكن إدارة مستويات الدين المرتفعة بأمان أكبر خارج الأسواق العامة. وعدم تداول الأصول الخاصة يومياً لا يعني بالضرورة أن عوائدها تتحرك بمعزل عن أسواق الأسهم، فقد تبدو تقلباتها أقل، لأنها لا تخضع لتقييم السوق المستمر، لكن ذلك لا يعني أنها أقل تأثراً بما يحدث في الأسواق العامة، لكن أداءها يتأثر بعوامل مختلفة، والأهم أن الشركات المدرجة في البورصات لا تمثل سوى جزء من إجمالي الشركات، فكثير من أصحاب الأعمال يفضلون تجنب الملكية العامة، والأسهم الخاصة تتيح للمستثمرين الوصول إلى بقية هذا العالم، وهذه مزايا حقيقية، لكنها تختلف كثيراً عن الاعتقاد الشائع بأن الملكية الخاصة تمثل شكلاً أفضل من الرأسمالية، يديره مستثمرون أكثر ذكاء، وما أثبتته السنوات العشر الماضية هو أن الأسهم الخاصة عندما تعمل على نطاق واسع تمثل فئة أصول مختلفة لا فئة متفوقة.

وتدرك شركات الإدارة الكبرى هذه الحقيقة، وتعيد تشكيل نماذج أعمالها استجابة لها، فقد ركزت شركات عديدة على خفض تكلفة رأس المال، من خلال شراء شركات تأمين تابعة لها، مثلاً، فيما توسعت في منتجات أخرى، أبرزها الائتمان، حيث تكون العوائد والرسوم أقل، لكن قاعدة الأصول المتاحة للاستثمار أكبر. كذلك يتجه القطاع عموماً، بمختلف فئات أصوله الخاصة، إلى إنشاء منتجات مفتوحة باستمرار تستهدف المستثمرين الأفراد.

وتشبه عملية النضج هذه ما شهدته سوق الأسهم العامة قبل نصف قرن أو أكثر، فقد حلت الصناديق المشتركة محل عالم توصيات الوسطاء، ثم ظهرت صناديق المؤشرات، وتراجعت الرسوم وتكاليف التداول، فيما ارتفعت أحجام المعاملات، وتوحدت صناعة إدارة الأسهم في كيانات أكبر، وانقسمت في الوقت نفسه إلى فئتين: شركات متخصصة صغيرة عالية الأداء تسعى إلى التفوق على السوق، ومؤسسات ضخمة توفر للمستثمرين الوصول إلى عوائد السوق بتكلفة منخفضة. وكان المستثمر أكبر المستفيدين من هذه التحولات، وقد يتكرر السيناريو نفسه في صناعة الأسهم الخاصة أيضاً.