أسواق التوقع تحوّل واشنطن إلى «ساحة مراهنات»

جو ميلر
خلال عطلة نهاية أسبوع مشمسة بالعاصمة الأمريكية واشنطن هذا العام تقاطر سياسيون من مختلف الأطياف إلى ملتقى مؤقت يُدعى «ذي سيتويشن روم» أو «غرفة العمليات»، حيث تتبعت شاشات تلفزيونية ضخمة الاحتمالات المباشرة لوقف التوترات في الشرق الأوسط، فضلاً عن تحديد هوية الفائز بسباق الترشح للرئاسة الأمريكية لعام 2028.

وكان هذا الموقع المؤقت، وغير التقليدي، جزءاً من حملة دعاية نظمتها منصة أسواق التوقع «بوليماركت»، التي تقود إلى جانب منصة «كالشي» صناعة بمليارات الدولارات تتيح للأفراد المضاربة على كل شيء، بدءاً من أحكام القضاء، وصولاً إلى أحوال الطقس.

ولم ينظر جميع المسؤولين في واشنطن بأريحية إلى الحملة التسويقية المكثفة، التي نفذتها «بوليماركت»، ففي مدينة يطلع فيها الجميع تقريباً على نوع ما من المعلومات الداخلية تواجه أسواق التوقع اتهامات بإحداث تأثير ضار على ممارسة العمل السياسي نفسه.

وفي وقت سابق من العام الجاري، وعقب قفزات مريبة في أحجام التداول، تزامنت مع أحداث تتعلق بالتوترات في الشرق الأوسط، تم توجيه تحذير إلى موظفي البيت الأبيض من التداول على منصات مثل «كالشي» أو «بوليماركت»، كما وجهت السلطات الفيدرالية اتهامات في أبريل الماضي إلى جندي في القوات الخاصة الأمريكية يزعم أنه حقق أرباحاً بلغت 400 ألف دولار من مضاربته على أنه سيتم إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقد دفع الجندي ببراءته، وفي الشهر نفسه أعلنت «كالشي» أنها رصدت ثلاثة مرشحين لمناصب وطنية في ولايات مينيسوتا وتكساس وفيرجينيا يضعون توقعات لصالحهم أو ضدهم.

وفي أغسطس الماضي أيضاً تم فرض غرامة مالية على جابرييل بيريز، مشغل جهاز القراءة الآلي «التلقين» السابق للرئيس دونالد ترامب، بسبب تداوله على محتوى خطابات الرئيس، كما تم حظر عضو الكونجرس السابق جورج سانتوس من التداول على منصة «كالشي» لعدم التعاون مع تحقيق يتعلق بتداولات ترتبط بحضوره خطاب حالة الاتحاد هذا العام، واتهم سانتوس الشركة بالسعي وراء لفت الانتباه.

رغم ذلك أظهرت أحاديث مع موظفين ومسؤولين شباب في الكونجرس أن أياً من هذه الإجراءات لم يمنع الأفراد من محاولة تحويل الشائعات، التي تتناقلها أروقة مجلس النواب ومجلس الشيوخ والوكالات الحكومية إلى أرباح محتملة، وكما قال مسؤول سابق غادر مؤخراً إحدى الهيئات التنظيمية الرئيسية في الولايات المتحدة، «أصبح كل شيء يخضع للمضاربة الآن».

وأوضح جوناثان كوهين، خبير سياسات المضاربة في معهد «الأمريكيين للبنين والرجال»، أن هذه النتيجة كانت متوقعة لكون نموذج الأعمال في منصتي «بوليماركت» و«كالشي» يحفز الأفراد على «استغلال أي معرفة خاصة يمتلكونها».

وبالنسبة للمضاربين الشباب في واشنطن لا تتطلب هذه المعرفة أن تكون مثيرة بدرجة سري أو سري للغاية، إذ تشمل المضاربات السياسية المطروحة على منصة «بوليماركت»، على سبيل المثال، ما إذا كان ترامب أو أحد أعضاء حكومته سيستخدم كلمات أو عبارات محددة في خطاب مرتقب، وهي معلومات قد يطلع عليها العديد من صغار الموظفين، إلى جانب من يشاركونهم السكن أو اللقاءات الجانبية، كما تشكل التنقلات والتعيينات الوظيفية موضوعاً شائعاً أيضاً على المنصة، في حين تحظى المضاربة على الانتخابات بانتشار واسع النطاق، وذكر أحد موظفي الكونجرس لشبكة «إن بي آر» الإذاعية أنه اطلع على نسخة مسبقة من بيانات استطلاع رأي لسباق انتخابي محتدم واستخدمها لوضع توقعاته على المنصة، ويزداد اعتماد المحللين على الاحتمالات الصادرة عن «بوليماركت» و«كالشي» لمرشحين معينين، وهو توجه يخشى كوهين أن يؤدي إلى تحريف الخطاب العام.

وفي الأسبوع الماضي كشفت «كالشي» عن ضخ أكثر من مليار دولار في مضاربات على انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر،
ولا يقتصر هذا الاتجاه على القطاع الحكومي فحسب، بل يمتد إلى القطاعين الخاص والخيري، إذ حظر مازيار مينوي، الرئيس التنفيذي لشركة «أوراسيا جروب» الاستشارية، على جميع الموظفين وأفراد أسرهم، وضع توقعاتهم السياسية عبر منصات أسواق التوقع، كما حظر مجلس الشيوخ على الأعضاء والموظفين القيام بهذا النوع من التداولات، في حين قدم أعضاء في الكونجرس تشريعات مماثلة.

من جانبها أكدت منصة «كالشي» أنها «تحظر صراحة وتلاحق قضائيا التداول بناء على معلومات داخلية بأي شكل من الأشكال، بما في ذلك تداول الموظفين الحكوميين في أسواق التوقع». وتواصل الشركة إلى جانب منافستها «بوليماركت» مراقبة التداولات المتعلقة بالنشاط الحكومي، والتي تتجاوز قواعد نزاهة السوق، إلا أن احتمالات فرض حملة تنظيمية أوسع تبدو ضئيلة في ظل إدارة ترامب، التي تفضل التنظيم المرن، إذ يعمل دونالد ترامب الابن مستشاراً لمنصتي «بوليماركت» و«كالشي». في غضون ذلك أعرب مينوي عن قلقه من الأضرار، التي قد تمس التجربة الديمقراطية، قائلاً «الإشادة بهذه الأسواق يبدو لي أمراً مدمراً للمجتمع، وأعتقد أن جوهر القيم يتآكل عندما يتم التطبيع مع هذا النوع من السلوكيات».