جون جابر
بينما كنا نحتمي من الأمطار الغزيرة قرب متجر «جون لويس» الشهير في شارع أكسفورد بلندن الأسبوع الماضي، أشار نبيل خان إلى جسم خرساني منخفض على الرصيف، قائلاً: «هذه المقاعد سيئة للغاية. لن يجلس أحد على هذا الشيء»، هكذا تحدث المسؤول عن إحياء الشارع التجاري الأبرز في المملكة المتحدة.
ومن المقرر أن تبدأ عملية التحول صباح الاثنين، لتحويل نحو نصف الشارع البالغ طوله كيلومترين، الواقع غرب أكسفورد سيركوس، إلى منطقة للمشاة، وهو مشروع طال انتظاره وشابه كثير من الجدل. إذ كان مفترضاً حظر مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات بين عشية وضحاها، على أن تلي ذلك 4 أسابيع من أعمال البناء تسبق موسم عطلات عيد الميلاد؛ حيث سيتم تركيب حواجز أمان، وإزالة محطات الحافلات، واستبدال المقاعد.
وعلق خان بنبرة يملؤها الأمل «ستكون هناك فترة صدمة، لكن الناس سيتأقلمون». ففي هذا الأسبوع، ستمر تلك الحافلات بدلاً من ذلك عبر شارع ويجموج في منطقة مارليبون. بذلك، سيصبح شارع أكسفورد أكثر شبهاً بشوارع التسوق المخصصة للمشاة مثل شارع «لا رامبلا» في برشلونة أو شارع «ستروميت» في كوبنهاجن.
تلك هي الخطة المرسومة.
غير أن الأمور لا تسير بيسر في شارع أكسفورد، الذي يتعافى تدريجياً من فترة كئيبة أعقبت الجائحة، والتي شهدت إغلاق المتاجر الكبرى وحل محلها محلات الحلويات والهدايا التذكارية. وقد عارض سكان المناطق المجاورة مثل فيتروفيا، ومايفير، ومارليبون، خطط تحويل الشارع للمشاة، متخوفين من تفاقم الضوضاء والتلوث المنقولين إليهم.
وقال تيم بارنز، نائب زعيم مجلس مدينة وستمنستر، الشهر الماضي: «أخشى أننا نتجه نحو فوضى غير مدارة». ومما يذكر أن اللورد صادق خان، عمدة لندن، طالما دعم مشروع تحويل الشارع للمشاة، غير أن مجلس وستمنستر عطل محاولته السابقة عام 2018، لذا فإن النسخة الحالية من المشروع لا تمضي قدماً إلا بفضل تأسيس العمدة لشركة تنمية تابعة لمنصب العمدة لفرض تنفيذه.
ويعترف نبيل خان، الذي لا تجمعه صلة قرابة بالعمدة، وهو الرئيس التنفيذي لشركة تطوير شارع أكسفورد، بأن النتائج غير مؤكدة؛ فمدينة لندن تبدو وكأنها مرقعة، إضافة إلى استحالة الحفر بعمق لأن خط قطار أنفاق سنترال لاين يمر قريباً من سطح الأرض. وفي هذا السياق، يقول دانيال ريست من مركز أبحاث لندن: «المكان ليس ريفيرا فرنسية بكل حال».
وستظهر اضطرابات وعراقيل على الفور، بينما ستستغرق المكاسب وقتاً أطول لتثمر. وحتى راكبو دراجات إي بايك الذين يستخدمون هذا الطريق الرابط بين شرق وغرب المدينة، بين توتنهام كورت رود وماربل آرش، سيتم تحويل مساراتهم؛ إذ خشيت الشركة أن تؤدي دراجات إي بايك المسرعة لإزعاج الأجواء الهادئة المرجوة للمارة الذين يتجولون بحرية ويستفيدون من مناطق الجلوس أمام المتاجر.
رغم ذلك، يبقى مشروع تحويل شارع أكسفورد للمشاة خطوة مرحباً بها. فالعديد من المدن استعادت مساحاتها العامة من المركبات، بما في ذلك إعادة تصميم ميدان تايمز سكوير في نيويورك. وغالباً ما تصاحب هذه المشاريع احتجاجات تخفت بمجرد استقرار أنماط حركة المرور. وفي هذه الحالة، أبدت المتاجر والمكاتب الواقعة على طول شارع أكسفورد تأييدها للمشروع.
ولحسن حظ شارع أكسفورد، بدت بوادر التعافي واضحة بالفعل؛ إذ ارتفعت الإيجارات وانخفض معدل الشواغر في المتاجر إلى نحو 0.5 %، وفقاً لشركة العقارات «CBRE».
واليوم، تمتلك علامات تجارية عالمية كبرى مثل «إيكيا» و«مينيسو» متاجر رئيسية في الشارع، فضلاً عن افتتاح شركة وارنر براذرز لمتجر خاص بسلسلة هاري بوتر. كما أسهم افتتاح خط قطارات «إليزابيث لاين» عام 2022 في استقطاب المزيد من الزوار والسياح.
وتتناسب الشوارع الخالية من المركبات مع الطبيعة المتغيرة لقطاع التجزئة الحديث، الذي يركز بشكل أكبر على العروض التسويقية والعلامات التجارية مقارنة بمجرد إتمام المعاملات النقدية. وغالباً ما يعج شارع كارنابي المتفرع من شارع أكسفورد بعشاق التسوق من الجيل زد الذين تجذبهم شخصيات المؤثرين على منصة تيك توك. وأصبحت شركة التطوير الآن هي الجهة المسؤولة عن التخطيط في شارع أكسفورد، ما يمنحها صلاحية الموافقة على الفعاليات الخارجية المرتبطة بالتجزئة، متى سمحت الأحوال الجوية البريطانية بذلك.
وهناك مشهد أوسع ينبغي أخذه بعين الاعتبار؛ فأكثر من نصف العاملين في شارع أكسفورد ومحيطه، والبالغ عددهم 84 ألف شخص، هم موظفون مكتبيون وليسوا عاملين في قطاع التجزئة. فقد تم تحويل المتاجر الكبرى السابقة لاستخدامات مختلطة، واستقطب الحي الغربي المزيد من القطاعات الاقتصادية، بدءاً من الشركات الناشئة في فيتروفيا، مروراً بشركات الرعاية الصحية الخاصة المحيطة بشارع هارلي، وصولاً إلى شركات الملكية الخاصة وصناديق التحوط في مايفير.
ولا يمكن إدارة شارع أكسفورد بالطريقة نفسها التي يُدار بها شارع بوند، الذي جعلته متاجر السلع الفاخرة أغلى موقع تجاري للتجزئة في العالم، ولا مثل مراكز تسوق «ويستفيلد» في شيبردز بوش أو ستراتفورد؛ فهو يضم مجموعة متباينة من مالكي العقارات، ولا تملك شركة التطوير سوى أدوات التخطيط وإعادة تصميم الشوارع لإضفاء الطابع المنشود.
لكن الشركة تملك ميزانية رأسمالية تبلغ 144 مليون جنيه استرليني، إلى جانب إشرافها على قطاع تجاري تبلغ مبيعاته السنوية 3 مليارات جنيه استرليني، ويقع وسط بعض أغنى مناطق لندن. وبهذه الإمكانات، ينبغي لنبيل خان أن يكون قادراً على جعل الشارع يلمع ويتألق.

