هل يجب على المزارعين تبني الذكاء الاصطناعي؟

ماكسيمو توريرو كبير الاقتصاديين بمنظمة الفاو في روما

البابا ليو الرابع عشر ينحدر من شيكاغو، لكنه يبدو وكأنه من ريف آيوا. وقد أدلى بملاحظة ثاقبة في رسالته البابوية الأخيرة حول الذكاء الاصطناعي، مفادها أنه يجب تقييم التكنولوجيا الرقمية بناءً على ما إذا كانت تضمن وصولاً عادلاً للفرص، وهي رسالة موجهة مباشرة إلى المزارعين في كل مكان دون حتى أن تذكر الزراعة صراحة.

القلق الشائع بين الناس هو أن الذكاء الاصطناعي سينتج سلعاً وخدمات بعمالة أقل، ما سيقلص فرص العمل لنا جميعاً. غير أن قطاع الزراعة يواجه تحديات مختلفة، مثل شيخوخة المزارعين، والفجوة في المهارات، وانخفاض إنتاجية العمالة.

وقد يعزز الذكاء الاصطناعي إنتاجية القطاع. لكن السؤال هو: أي المزارع ستستفيد منه؟ بإمكان الذكاء الاصطناعي رفع كفاءة المزارع الكبيرة عالية الميكنة، لكن المزارع الأصغر التي لا تستطيع تحمل تكاليف الآلات الباهظة، أو الإنترنت عالي السرعة، أو الاشتراكات في خدمات الذكاء الاصطناعي، قد تتخلف عن الركب بدرجة أكبر.

وتكتسب هذه المسألة أهمية بالغة، لأن صغار المزارعين، الذين يمتلكون أقل من 5 أفدنة، يشكلون 85 % من إجمالي المزارع في العالم. وفي الدول الأفقر، يعد هؤلاء عنصراً حاسماً للأمن الغذائي، حيث ينتجون 60 % من المحاصيل الغذائية.

وتعاني الزراعة أسوأ الفجوات المعلوماتية بين جميع القطاعات. وغالباً ما يضطر المزارعون لاتخاذ قرارات كبرى وطويلة الأجل بشأن كل شيء، بدءاً من البذور وصولاً لأسعار السوق، بناءً على معلومات شحيحة.

ويزداد هذا الوضع تفاقماً بسبب الصدمات المناخية والجيوسياسية التي يمكنها تعطيل ظروف النمو بسرعة والتأثير على أسعار الوقود والأسمدة. وتؤثر هذه الفجوة على صغار المزارعين بشكل أكبر من غيرهم.

وفي بعض المناطق، تواجه «كوادر الإرشاد»، وهم مستشارون زراعيون يساعدون المزارعين على تبني ممارسات جديدة، مهمة مستحيلة، هي الوصول لملايين المنتجين عبر مساحات شاسعة.

وقد يثبت الذكاء الاصطناعي أنه بمثابة هبة من السماء في هذه الحالة؛ إذ يمكنه تمكين المستشارين من دعم عدد أكبر من المزارعين وتضييق فجوة المعلومات عبر ترجمة البيانات إلى اللغات المحلية، ودمج بيانات الطقس والتربة والأسواق، وتحديد أمراض المحاصيل، وتحسين شفافية الأسعار.

على سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2026 شملت 240 مستشاراً زراعياً في بنين أن الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي التوليدي قدموا استشارات أفضل.

وفي الهند، استخدم المزارعون أداة بالذكاء الاصطناعي تخبر مزارعي القطن، بثماني لغات محلية، بالوقت والكمية المناسبة لاستخدام المبيدات، فحققوا زيادة في الإيرادات وصلت إلى 24 %.

وفي تجربة أُجريت في الصين، أدى نظام للذكاء الاصطناعي يستعين ببيانات الطقس والتربة والرؤية الحاسوبية لتوجيه عمليات الري واستخدام المبيدات الحشرية إلى زيادة محاصيل القمح والذرة بنسبة 7 % و4 % على التوالي.

لكن إلى جانب هذه الوعود، أطلق البابا تحذيراً في محله: إذ يمكن للتكنولوجيا أن تخلق أشكالاً جديدة من الإقصاء.

فقد يرفض نموذج للإقراض يعتمد على الذكاء الاصطناعي منح قرض لمزارع صغير أو يفرض عليه سعر فائدة أعلى لافتقاره إلى السجلات المالية المستخدمة في تقييم المخاطر.

كما قد يستبعد نظام الدعم المزارعين الذين لا يمتلكون سندات ملكية رسمية للأراضي. علاوة على ذلك، قد لا تناسب أنظمة الذكاء الاصطناعي المدربة على مزارع كبيرة المساحات الزراعية الصغيرة.

وهناك أدلة أيضاً على أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تتحيز. على سبيل المثال، وجد أن بعض الأنظمة تفضل بشكل ممنهج المنتجات التجارية لحماية المحاصيل على البدائل المستدامة القائمة على التنوع البيولوجي، ما يعزز اعتماد المزارعين على منتجات يجبرون على شرائها بدلاً من ممارسات يمكنهم تبنيها مجاناً وتكون أكثر فائدة للبيئة.

إذاً، كيف يمكن للمزارعين بمختلف أحجام مزارعهم استخدام الذكاء الاصطناعي ليصبحوا أكثر إنتاجية؟ الإجابة هي بالالتزام بمبدأ بسيط، كلما زاد احتمال الضرر، زادت الحاجة لتوخي الحذر. فأداة الذكاء الاصطناعي التي تحدد مرضاً نباتياً تنطوي على مخاطر محدودة نسبياً، وينبغي أن يكون اختبارها ونشرها أمراً سهلاً.

وستكون المخاطر أعلى بالنسبة للأنظمة التي تساعد في تحديد ما إذا كان المزارع سيحصل على قرض أو تأمين، أو تتخذ قرارات تؤثر على الحصاد أو سلامة الغذاء. ويجب أن تخضع تلك التطبيقات لمتطلبات صارمة للاختبار، والرقابة البشرية، والشفافية.

كما ينبغي أن يكون المزارعون قادرين على الطعن في القرارات وطلب الإنصاف.
وفي أعلى مستويات المخاطرة، ينبغي دعم الضمانات باتفاقيات قانونية ملزمة.

وهذا يكتسب أهمية بالغة للمزارعين بالقدر نفسه لسلامة الذكاء الاصطناعي عالمياً. ويمكن أن يرسخ ذلك لالتزامات على أكبر شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إجراء عمليات تدقيق مستقلة للسلامة وتوفير ضمانات ضد التمييز أو إساءة استخدام القوة السوقية.

والتنظيمات والقوانين وحدها لن تنجح في إيصال الذكاء الاصطناعي إلى هاتف مزارع في بنين. إذ ستحتاج الحكومات إلى الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات، والمهارات الرقمية، والبيانات، والخدمات الاستشارية. غير أن القوانين يمكن أن تساعد في منع التكنولوجيا ذات الإمكانيات الهائلة من توسيع الهوة بين من يمتلكون حق الوصول والمحرومين منه.

ويعتمد نحو 44 % من الشباب على النظم الزراعية والغذائية لكسب عيشهم. وليزدهروا، ناهيك عن مجرد البقاء على قيد الحياة، فسيحتاجون لمساعدة الذكاء الاصطناعي. ويتمثل التحدي الحقيقي في ضمان ألا يخلق ذلك جيلاً ضائعاً من المستبعدين والمهمشين.