المقترضون ذوي التصنيف المنخفض يواجهون مأزقاً بتريليوني دولار

نيكولاس ميجاو
إنه موسم الحصاد في الولايات المتحدة، وليس فقط بالنسبة للمزارع، فالشركات أيضاً ستحصد ما زرعته بعد أن راكمت ديوناً طائلة خلال فترة ما بعد جائحة كوفيد-1، التي شهدت أسعار فائدة منخفضة للغاية. وهناك تريليونات الدولارات من السندات والقروض التي اقترب موعد استحقاقها لإعادة التمويل، في وقت تظل فيه أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة بشكل مقلق.

ووفقاً لوكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، فهناك ديون وقروض ذات تصنيف ائتماني منخفض (عالية المخاطر) بقيمة تقارب تريليوني دولار تستحق السداد خلال السنوات الخمس المقبلة، منها 438 مليار دولار تستحق بحلول نهاية عام 2028.

وقد يبدو هذا أجلاً بعيداً، لكن الإدارات المالية تفضل عادة تسوية مثل هذه الأمور قبل وقت كافٍ. فبحلول منتصف العام المقبل، ستبدو حتى الديون المستحقة أواخر عام 2028، وكأن موعدها قريب جداً ومثير للقلق.

ولقد ارتفع حجم المبالغ المستحقة على الشركات ذات التصنيف المنخفض خلال العامين المقبلين بنسبة 31 % مقارنة بالعام الماضي.

وإذا أخذنا في الاعتبار «تأثير التقديم»، حيث تميل الشركات عادة لإعادة تمويل شرائح من ديونها في توقيت واحد، وهو عند حلول موعد استحقاق الشريحة الأقدم، فإن متطلبات التمويل على المدى القريب ستزداد أكثر فأكثر.

ولا تقتصر المشكلة على ارتفاع تكاليف الاقتراض، بل تمتد إلى حجم التمويل المطلوب وتوقيته. فوفقاً لتحليل نشرته «رويترز» في سبتمبر، تستحق نحو 4.3 تريليونات دولار من سندات الشركات الأمريكية السداد خلال الفترة من 2027 إلى 2031.

ومن المتوقع أن ترتفع الاستحقاقات السنوية من نحو 572 مليار دولار في 2027 إلى نحو 1.03 تريليون دولار في 2030. ويعكس ذلك جزئياً لجوء شركات لإعادة التمويل خلال السنوات الماضية، ما أتاح لها تأجيل سداد بعض الديون لآجال أبعد. لكن هذا التأجيل يعني أن أعباء أكبر ستتجمع في سنوات لاحقة.

وهذا أمر صعب، لأن جمع السيولة النقدية مكلف للغاية حالياً. فقد أدى ارتفاع التضخم لزيادة تكاليف الاقتراض على الجميع. إضافة إلى ذلك، فإن تخمة إصدارات عمالقة التكنولوجيا للسندات لا تساعد الوضع العام على الإطلاق. فوفقاً لبيانات «آيس» و«بنك أوف أمريكا»، فقد ارتفع العائد الفعلي على الديون عالية المخاطر المطروحة في الأسواق العالمية إلى %8.1، مقارنة بـ6.5 % قبل 12 شهراً. ويعني هذا المعروض الضخم أن المستثمرين أصبحوا قادرين على الانتقاء والاختيار، ما يدفع التكاليف نحو مستويات أعلى بالنسبة للمقترضين الأكثر خطورة.

وتزداد المنافسة على التمويل مع طروحات شركات التكنولوجيا الكبرى لاقتراض مبالغ ضخمة لتمويل استثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتتوقع «جولدمان ساكس» أن يصل إجمالي إصدارات الديون لكبرى شركات الحوسبة السحابية إلى 420 مليار دولار عام 2027، بزيادة` على التقديرات الخاصة بعام 2022.

وهذا يعني أن الشركات الأضعف ائتمانياً ستحتاج لإقناع المستثمرين بتمويلها في سوق تتنافس فيها على الأموال مع شركات تملك موارد مالية أكبر وآفاق نمو مختلفة. ولا يعني هذا بالضرورة تعذر حصول المقترضين الأضعف على التمويل، لكنه قد يجعل شروط الاقتراض أكثر كلفة، ويزيد صعوبة إعادة تمويل الديون لدى الشركات التي تعاني بالفعل ارتفاع المديونية وضعف التدفقات النقدية.

وتقدم معاناة مجموعة صناعة البرمجيات «بلانفيو» (Planview) مثالاً على ذلك. فهي تمتلك ديوناً تتجاوز 1.5 مليار دولار تعود لعملية استحواذ تمت عام 2020، ويحل موعد استحقاق معظمها العام المقبل، إلا أن الشركة أمضت أكثر من 6 أشهر تحاول التعامل مع الاستحقاقات المقبلة. وقد خفضت وكالة «إس آند بي جلوبال» للتصنيف الائتماني نظرتها المستقبلية للشركة إلى سلبية، محذرة من أن ارتفاع المديونية وضعف الأداء المالي قد يعيقان جهود الإدارة في معالجة استحقاقات الديون.

لكن حتى الشركات ذات التصنيف المرتفع قد تواجه صدمة في مدفوعات الديون. فوفقاً لتقديرات «موديز»، هناك ديون استثمارية بقيمة 1.6 تريليون دولار تستحق بحلول عام 2031. وتميل الشركات ذات التصنيف الممتاز للاقتراض لفترات أطول، لذا ستعود نسبة أكبر منها إلى السوق للمرة الأولى منذ ارتفاع أسعار الفائدة في 2022.

أما الشركات التي ترغب في تجنب زيادات طائلة في تكاليف خدمة الديون فلديها خيارات قليلة، ولا يبدو أي منها جذاباً للغاية. فقد لجأ الكثير منها مسبقاً إلى ترحيل المشكلة عبر تمديد الترتيبات القائمة حتى عام 2030 أو 2031. كما يمكن للتمويل الائتماني الخاص أن يوفر شروطاً أكثر مرونة، بما في ذلك خيارات السداد العيني، لكن هذا يؤدي في المقابل إلى زيادة أصل الدين.

أما خيار انتظار تحسن الظروف فيحمل مخاطر أكبر. فالمستثمرون لا يحبذون الشركات التي تضع نفسها في مواقف محفوفة بالمخاطر بلا حساب. وكما يشير محللون في «سيتي غروب»، فإنه حتى الأسهم ذات النمو المرتفع تتراجع إذا كانت الميزانية العمومية للشركة ضعيفة.

وربما تكون نهاية حرب إيران على وشك الوقوع وتصبح مخاوف التضخم شيئاً من الماضي قريباً. لكن بالنسبة لمن يراهنون على مثل هذه الاحتمالات، قد تكون تكلفة الخطأ باهظة للغاية.