بريطانيا تحتاج إلى «اقتصاد المنشار»

تيج باريك
من المتوقع أن يكون إعلان ميزانية بريطانيا، غداً الأربعاء، هادئاً، ويعد هذا أمراً جيداً بعد ما شهدته الإعلانات السابقة من فوضى وشائعات وزيادات ضريبية كبيرة، إلا أن الهروب من التراجع الاقتصادي للبلاد يتطلب شيئاً أكثر جرأة بكثير، وجرعة من «العلاج بالصدمة».

والاقتصاد البريطاني عالق حالياً في دوامتين متشابكتين تجرانه للأسفل. الأولى هي الصدمات الاقتصادية والضغوط المتزايدة على الدولة، وبدءاً من الشيخوخة إلى الإنفاق الدفاعي، تغذي هذه الضغوط دورة من تزايد الضرائب، وتراجع النشاط الاقتصادي، والديون المتزايدة، ويتوقع أن تبلغ فاتورة خدمة الدين الوطني السنوية إلى 137 مليار استرليني بنهاية العقد الحالي، وهو رقم يقزم ميزانية الدفاع بأكملها.

والنمو الأسرع والإنفاق الأقل هما السبيل الوحيد للخروج، إلا أن كلاً منهما أصبح أصعب بسبب دوامة ثانية خبيثة، وهي زيادة دور الدولة وصعوبة تقليصه، فقد تراكمت اللوائح على مدار عقود، وتضخم قانون الضرائب، وتوسعت قوانين التخطيط، وارتفعت فاتورة الرعاية الاجتماعية، والعبء الضريبي الأعلى، وغابة البيروقراطية الناتجة عن ذلك ألقت بثقلها على عوامل الإنتاج الرئيسية في البلاد: القوة العاملة، ورأس المال، والأرض، والطاقة.

ويفسر هذا إلى حد كبير ضعف نمو الإنتاجية في بريطانيا، إذ تسجل البلاد أدنى نسبة استثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي بين دول مجموعة السبع، بينما يواجه أصحاب الدخول المرتفعة أعلى المعدلات الضريبية. في الوقت نفسه تعد أسعار الكهرباء الصناعية هي الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة، كما أن بناء أي شيء تقريباً في البلاد أصبح أكثر تكلفة وأطول وقتاً.

المشكلة هي أن الدولة تمتلك آلية ذاتية تدفعها نحو التوسع المستمر، ونمو الاقتصاد في الماضي أدى إلى تزايد المطالب بالحماية، وإعادة توزيع الثروة. وكل قاعدة جديدة أو منفعة أو دعم تخلق مصالح تدافع عن نفسها، والسياسيون، الذين يخشون التبعات الانتخابية للإصلاح، يفضلون الحلول البديلة والتغييرات التدريجية، فتتراكم التعقيدات والتشوهات والالتزامات المالية.

على سبيل المثال هناك خطة شاملة لتبسيط النظام الضريبي، عرفت بـ«مراجعة ميرليس»، موجودة منذ عام 2011، وحظيت بدعم من مختلف الأطياف السياسية. رغم ذلك لم ينفذ الجزء الأكبر من توصياتها حتى الآن.
في الوقت نفسه ألغت حكومة حزب العمال بعض حواجز التخطيط الحضري القديمة لتستبدلها برسوم ولوائح جديدة، تزيد تكلفة البناء، وأصبحت تقدم للشركات منحاً لتوظيف الشباب، بعد أن رفعت الحد الأدنى للأجور وضرائب الرواتب، ما جعل توظيفهم أكثر تكلفة.

في الواقع إن لغز بريطانيا في السياسات وليس في الإنتاجية، وهي تحتاج إلى قادة يتحلون بالجرأة الكافية لتنفيذ التدابير اللازمة على جانب العرض، لتأمين مكاسب مستدامة، بتكلفة قصيرة الأجل. فكر في اقتصاد المنشار للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أو خطة بالتشيروفيتش البولندية عام 1989.

كيف يمكن أن يبدو ذلك؟ ابدأ بإزالة التشوهات من النظام الضريبي. استبدل ضريبة الدمغة وضريبة المجالس بضريبة قيمة عقارية محايدة للإيرادات لتسهيل المعاملات السكنية.

اِلغِ ضريبة الدمغة على الأسهم، وأعِد الإعفاءات الضريبية لصناديق التقاعد، التي تستثمر في الأسهم البريطانية، ووسع نطاق الإهلاك الكامل ليشمل مزيداً من أنواع الاستثمار التجاري لتعزيز نمو رأس المال، وأخيراً قم بتخفيف أنظمة ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة لمكافأة العمل ونمو الأعمال.

ستساعد تخفيضات الإنفاق والنمو الأسرع الناتج عنها في تمويل ذلك، وهذا يعني تقليص فاتورة الرعاية الاجتماعية، أولاً بإلغاء الضمان الثلاثي لمعاشات التقاعد الحكومية، واستبداله بزيادات مرتبطة بنمو الأجور، ثم خفض الإنفاق بشدة على إعانات الاستقلال الشخصي، التي تُمنح للأشخاص الذين يعانون من حالات صحية أو إعاقات، بصرف النظر عن وضعهم الوظيفي.

وذلك عبر تشديد شروط الاستحقاق،وتوفير مزيد من الدعم العملي بديلاً عن الإعانات المالية، كما أن توسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة بإزالة الإعفاءات، التي تبلغ نحو 70 مليار جنيه استرليني سنوياً، سيولد إيرادات إضافية، حتى مع خفض المعدل الأساسي للضريبة، وهناك مجالات أيضاً لتقليص الازدواجية الإدارية، من خلال توحيد المهام بين أكثر من 100 هيئة تنظيمية في بريطانيا.

وهناك حاجة إلى القدر نفسه من الراديكالية لدفع بريطانيا نحو البناء، وينبغي أن يحل نظام تخطيط عمراني قائم على قواعد واضحة، وتقسيم المناطق وفقاً لاستخداماتها، محل النظام التقديري المعمول به حالياً، بحيث يصبح التطوير العقاري هو الأصل في المناطق المخصصة لذلك، كما ينبغي تسريع إجراءات ربط المشروعات بشبكة الكهرباء، والحصول على الموافقات البيئية، واتخاذ القرارات المتعلقة بالبنية التحتية الكبرى، ومن شأن ذلك أن يوفر تدفقاً مستمراً من المشروعات القابلة للاستثمار، بالتزامن مع إصلاحات واعدة، تتيح الاستفادة من رؤوس الأموال التقاعدية طويلة الأجل في بريطانيا.

ولا تمثل هذه المقترحات أجندة شاملة لكل الإصلاحات المطلوبة، ومع ذلك ينبغي لأي حزمة إصلاحات واسعة النطاق أن تجمع بين تدابير متكاملة، بحيث يتمكن المتضررون من أحد الإجراءات من الاستفادة من إجراء آخر، ما يسهل إقرار البرنامج ككل، كما أن سن التشريعات على مدى عام، وفق جدول زمني واضح، من شأنه أن يتيح للأسر والشركات والمستثمرين الاستعداد للتغييرات المقبلة، ويبدو أن الرغبة السياسية في إصلاح شامل تتزايد مع ركود مستويات المعيشة، فقد أظهر استطلاع رأي، أجرته جامعة لندن، بالتعاون مع مؤسسة «مور إن كومون» أن أغلبية البريطانيين يفضلون التغيير الجذري على التغيير التدريجي.

وقد تؤجج الأزمات هذا الشعور، لكن ينبغي للمملكة المتحدة ألا تنتظر حدوث أزمة، ولا أن تسمح للمراجعات الأخيرة لتوقعات النمو، والوعود بتحقيق مكاسب إنتاجية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، والاضطرابات في الاقتصادات المتقدمة الأخرى، بتوليد حالة من التراخي، التعديلات الطفيفة لن تغير مسار بريطانيا، والبديل عن الإصلاح الجريء هو التراجع المُدار.