البحر الأسود أخطر ممر شحن بحري في العالم

أليس هانكوك، وسوزانا سافيج، وناشوس ستيلانو، وستيفن برنارد في لندن

هناك منطقة في العالم أصبحت الآن الأكثر دموية من أي مكان آخر بالنسبة للبحارة التجاريين، وهي ليست مضيق هرمز، فلقد تُوفي عدد أكبر من البحارة في البحر الأسود مقارنة بأي مسطح مائي آخر هذا العام، الذي حظي باهتمام عالمي أكبر.

وباعتباره ممراً حيوياً لإمدادات الحبوب العالمية والنفط الروسي فإن البحر الأسود يمثّل خطورة أكبر على السفن مقارنة بالشرق الأوسط، إذ يجب على طواقم ناقلات النفط، وسفن الشحن، مواجهة سلسلة هجمات بالمسيّرات، أو الصواريخ، أو القوارب المحملة بالمتفجرات، مع تكثيف روسيا وأوكرانيا معركتهما على هذا الممر الحيوي، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد الهجمات في البحر الأسود ارتفع لأكثر من 6 أضعاف.

وقال أوليج جريجوريوق، رئيس نقابة عمال النقل البحري في أوكرانيا: «بالنسبة لي البحر الأسود والوصول إلى الموانئ الأوكرانية أمر يقارب الانتحار».

وأضاف: «الشعور العام هو وجود تهديد للحياة طوال الوقت». وأصيبت أكثر من 570 سفينة في البحر الأسود هذا العام، ما أسفر عن مقتل 40 بحاراً على الأقل، وفقاً لشركتي الأمن البحري «أمبري» والمنظمة البحرية الدولية، ويقارن هذا العدد بـ 24 حالة وفاة في هرمز.

ولا تزال تقارير الهجمات في المنطقتين متقطعة، ما يصعب تحديد الحجم الحقيقي للأضرار، لكن عموماً وخلال الربع الثالث بلغ متوسط الهجمات أكثر من 4 هجمات يومياً، وفقاً لأمبري. وتخاطر بعض شركات الشحن لنقل النفط من الشرق الأوسط، بسبب أسعار الشحن القياسية، إلا أنها تعزف عن البحر الأسود، حيث تنخفض هوامش الربح، والتجارة أكثر خطورة بكثير.

ومنذ هذا الصيف بلغت الهجمات المتبادلة على الشحن والبنية التحتية للموانئ ذروة حدتها. وقالت بريدجيت دياكون، مديرة الأبحاث في لويدز ليست إنتليجنس: «هذا مجال مختلف تماماً». وأضافت: «لقد كنت أتتبع تأثير الحرب على التجارة البحرية لسنوات، ولم أرَ قط شيئاً يشبه هذا».

وأصيبت نحو 387 سفينة بين يوليو وسبتمبر، وهو ما يعادل أكثر من 5 أضعاف العدد المسجل في الربع السابق، بحسب بيانات أمبري.

ويعود جزء من سبب هذا التصعيد إلى حملة مسيّرات أوكرانية استهدفت السفن الروسية، وبدأت في محاولة لقطع إمدادات الديزل القادمة من القرم، لكنها سرعان ما امتدت لتشمل الشحن في مضيق كيرتش، حيث يلتقي بحر آزوف بالبحر الأسود.

في سبتمبر قال روبيرت بروفدي، قائد القوة الخاصة، إن كييف أصابت أكثر من 300 سفينة روسية في غضون 11 أسبوعاً، ولم تقتصر الأهداف على الناقلات الخاضعة للعوبات فحسب، بل شملت أيضاً سفن البضائع السائبة التي تنقل الحبوب الروسية.

وكانت ردة فعل الكرملين هي تكثيف هجماته ضد السفن التي تزور الموانئ. وذكرت «أمبري» أن روسيا مسؤولة عن نحو 90 في المئة من الهجمات على الشحن خلال الأيام الـ 45 الماضية، ويظهر الأثر بوضوح في الموانئ الأوكرانية بمنطقة أوديسا الكبرى، فقد تعامل الميناء مع أقل من 10 سفن الشهر الماضي، مقارنة بنحو 400 سفينة في يوليو، وفقاً لشركة «تي آي إس»، أكبر مشغل خاص للموانئ في أوكرانيا.

وقال محللون أمنيون، إن الضربات من كلا الجانبين أصبحت أكثر دموية بالنسبة للطواقم، خصوصاً بعد أن بدأت أوكرانيا في تبني التكتيكات الروسية. وقال توماس أليكسا، المحلل البارز في «أمبري»، إن أوكرانيا كانت في السابق «تستهدف وصلة التحميل أو تعطل غرفة المحركات أو دفة القيادة»، والآن، «على غرار روسيا فإنهم يهاجمون جسور السفن وغرف الإقامة»، ما يمكن أن يرفع عدد الإصابات بين صفوف الطاقم، كما أصبحت جغرافية الهجمات أقل تمييزاً بكثير.

وقال أندري كليمنكو، رئيس معهد البحر الأسود للدراسات الاستراتيجية وهو مجموعة مراقبة: «نحن نشهد حقاً حرباً بلا حدود بين روسيا وأوكرانيا ستؤثر على جميع دول البحر الأسود الأخرى».

في منتصف سبتمبر وسعت لجنة الحرب المشتركة، التي تحدد ما تسمى بمناطق «مخاطر الحرب» لأغراض التأمين، أعلى مستوى للتهديد من مناطق عالية الخطورة عدة، ليشمل تقريباً كامل البحر الأسود، باستثناء المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا وتركيا وحدها، لكن الآن وقد تعرضت السفن في تلك المناطق للهجوم فإن حتى أكثر شركات الشحن مرونة تعيد النظر في التجارة بمنطقة رسو سولينا القريبة من حوض نهر الدانوب والساحل البلغاري.

أبلغ مكتتبو التأمين صحيفة «فايننشال تايمز» أن تأمين الحرب يمكن أن يصل إلى 15 في المئة من قيمة بدن السفينة، وقد دفع هذا مالكي السفن لاستخدام سفن أقدم، وهي عادة أرخص من حيث تكلفة التأمين لأن هياكلها أقل قيمة.

وتمتد التداعيات إلى ما هو أبعد بكثير من أوكرانيا وروسيا، فقد هوت صادرات كييف من السلع الزراعية بحراً إلى 1.4 مليون طن في أغسطس، أي أقل بنحو 75 % عن مستويات ما قبل الحرب، بحسب وزارة الزراعة الأوكرانية. وقال أندري فيريفسكي، رئيس شركة «كرنل» الكبرى لتصدير زيت عباد الشمس الأوكراني، هذا الشهر: «لن يتم الشعور بالخطر الأكبر في تأخر الشحنات قصيرة الأجل اليوم، بل في الحقول، في الربيع المقبل».

وأضاف: «عائدات التصدير هي التي تدفع ثمن الوقود والبذور والسماد، وإذا اختنقت الموانئ ومحت تكاليف الشحن هوامش التشغيل فلن يملك المزارعون الأوكرانيون الصغار والمتوسطون السيولة الكافية للزراعة».

وستضطر أسواق بعيدة مثل غرب أفريقيا وإندونيسيا إلى البحث عن إمدادات أخرى، وقال مسؤول تنفيذي من شركة دولية لتجارة الحبوب، إن إندونيسيا حجزت حصة كبيرة من مشترياتها المعلقة من الحبوب من روسيا للأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة، وأصبحت تتحول بالفعل نحو الموردين الأستراليين وسط مخاوف من عدم وصول الشحنات الروسية.

ويخشى كليمنكو، المراقب المخضرم للبحر الأسود، أن يتدهور الوضع ما لم تتدخل قوات حلف شمال الأطلسي، وهو أمر مستبعد للغاية، رغم دعوة البرلمان الأوروبي إلى تنفيذ عملية بحرية للاتحاد الأوروبي في البحر الأسود مشيراً إلى «الهجمات الدموية».

وقال: «من السذاجة في الوقت الحالي الأمل في أي وقف لإطلاق النار في البحر الأسود». وأضاف: «للأسف لن تستمر الحرب فحسب، بل ستتوسع». والآن وقد أدرك الجانبان قوة تعطيل طرق الشحن سيكون من الصعب إيقاف ذلك، وأضاف: «الأمر يشبه محاولة إعادة معجون الأسنان إلى الأنبوب، لا يمكنك فعل ذلك».