ستيوارت كيرك
إذا كان هناك وفرة في شيء ما هذه الأيام، فهو وفرة المليارديرات الذين يخبروننا بأن «عصر الوفرة» بات وشيكاً.
ولعلهم أول من يعلم بذلك؛ فهل رأيت يوماً حجم السياج النباتي المحيط بمنزل جيف بيزوس في لوس أنجلوس؟
وكما هي العادة مع المتفائلين بالتكنولوجيا، فإنهم يعدوننا بتقليل ساعات العمل؛ وهذه المرة بفضل الذكاء الاصطناعي. يرى جينسن هوانج، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، أن أسبوع العمل سيصبح أربعة أيام، بينما يعتقد جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ «جي بي مورجان»، أنه سيكون ثلاثة أيام ونصف.
وبهذا المعدل، لن يضطر أي منا للذهاب إلى العمل بعد عطلة عيد الميلاد!
أما بيل جيتس، فيطرح فكرة العمل ليومين فقط، لكن هنا تجدر الإشارة إلى أنه كان يعمل سابقاً 80 ساعة أسبوعياً.
وكان يتباهى بأنه لم يأخذ إجازة قط خلال السنوات الأولى لتأسيس شركة «مايكروسوفت». وفي رأيي، كل هذا محض هراء، فنمط العمل من الاثنين إلى الجمعة باقٍ، ولا أظن أن يومي السبت والأحد سيختفيان أيضاً.
لماذا؟ لأن الناس سيرغبون في ذلك. في كتابها الصادر عام 1983 بعنوان «المزيد من العمل للأم»، وصفت روث شوارتز كوان مفارقة أن النساء واصلن القيام بالقدر نفسه من الأعمال المنزلية في القرن الذي تلا عام 1870، رغم ظهور العديد من الأجهزة المنزلية الجديدة، حيث زادت المهام المطلوبة منهم لتملأ الوقت المتاح.
ورغم أن الأكاديميين شككوا لاحقاً في دقة أرقامها، فقد انخفضت بالفعل الساعات المخصصة للأعمال المنزلية، إلا أن الأهم هو أن تقليل الجهد البدني في المنزل لم يعن التفرغ للراحة، بل اتجهت النساء بدلاً من ذلك إلى الانخراط في سوق العمل.
لا شك أن ارتفاع الإنتاجية قد قلل ساعات العمل الشاق. ففي الدول الغنية، انخفض عدد ساعات العمل للفرد الواحد إلى النصف تقريباً منذ أواخر القرن التاسع عشر. لكن هذا لا يعني، كما يلمح بيزوس، أن الذكاء الاصطناعي سيدفعنا للعودة إلى نموذج الأسرة التي يعتمد دخلها على معيل واحد فقط.
التكنولوجيا الجديدة توفر الوقت، لكننا سرعان ما نسعى لاستغلال هذا الوقت في أمور نقدرها أكثر؛ وعادة ما يكون ذلك سعياً نحو حياة أفضل.
وما يثير حماسي كمستثمر هو ما يعنيه هذا بالنسبة للأشخاص اليوم. لقد بدأ الأمر قديماً بالانتقال من العيش في الكهوف إلى الأكواخ. وفي الدول الغنية، نقترب الآن من قمة هرم أبراهام ماسلو للاحتياجات.
ففي بريطانيا، على سبيل المثال، انخفضت حصة الإنفاق على الغذاء والملابس إلى النصف مقارنة بما كانت عليه عند إجراء أول مسح لإنفاق الأسر في عام 1957.
صحيح أن العقود الأخيرة أنتجت أشياء مفيدة؛ فالسيارات أصبحت أكثر اعتمادية، وخدمات البريد الإلكتروني والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول توفر الكثير من الوقت.
لكن هذه الإنجازات لا تقارن بما سيأتي من منتجات وخدمات في المستقبل، إذ ستركز شركات الغد على كل ما يمنحنا أكبر قدر من السعادة.
بالنسبة لماسلو، تمثلت هذه الأمور في جوانب مثل الحب والانتماء، وتقدير الذات، ونيل الاعتراف، والمكانة الاجتماعية، والنمو الشخصي.
وقد أكد استطلاع «جالوب» العالمي، الذي شمل قرابة 61 ألف شخص في 123 دولة بين عامي 2005 و2010، أن المشاعر الإيجابية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتفاعل الاجتماعي والشعور بالاحترام.
كما دخل علماء النفس التطوري على خط النقاش؛ حيث يرى دوجلاس كينريك أن السعي لإيجاد شريك حياة، والحفاظ على هذه العلاقة، وتربية الأبناء، تقع في قمة هرم احتياجاتنا.
حتى جون ماينارد كينز، في مقاله الصادر عام 1930 بعنوان «الإمكانيات الاقتصادية لأحفادنا»، تنبأ بأنه بمجرد حل «المشكلة الاقتصادية»، سيصبح التحدي الذي يواجه البشرية هو كيفية العيش «بحكمة وانسجام وجودة».
وأتوقع أن تكون كل هذه العوامل هي المحرك الرئيسي لطلب المستهلكين في الدول الغنية، وبالتالي للنمو وأسعار الأسهم، خلال العقود المقبلة.
هل يبدو هذا بعيد الاحتمال؟ لننظر إلى قطاع «العافية»، الذي يشمل كل شيء بدءاً من التغذية وصولاً إلى المنتجعات الصحية، فقد بلغت قيمته 7 تريليونات دولار في عام 2024، أي تضاعفت عما كانت عليه في عام 2013. وهو رقم يتجاوز حجم الاقتصاد الأخضر، وقطاع تكنولوجيا المعلومات، والسياحة، والرياضة مجتمعة.
في الوقت نفسه، يشير استطلاع أجرته شركة «ماكينزي» إلى أن 85 % من المستهلكين يضعون الصحة والعافية ضمن أولوياتهم. إذ يأتي الحصول على نوم جيد ليلاً في صدارة اهتمامات الجميع.
وبالعودة إلى طرح كينريك، نجد أن أكثر من ربع الأزواج الذين تزوجوا في العام الماضي قد التقوا عبر الإنترنت.
وعلى المستوى الشخصي، سأكون مستعداً لشراء أي شيء يضمن لي التوقف عن التسويف، وتحسين التواصل مع زوجتي، وإقناع أطفالي الصغار بتناول الخضروات، ووضع حد لصراخ أبنائي المراهقين في وجه بعضهم البعض.
هذا هو الأمر الذي يؤرق مضجعي. فما قيمة إن كان الذكاء الاصطناعي قادراً على ترتيب صندوق بريدي الإلكتروني أو حجز عطلة لي؟ قد أكون أبطأ في إنجاز هذه المهام، لكنني كنت أقوم بها سابقاً على أكمل وجه. وبصراحة، لا أهتم كثيراً إن فاتني بعض رسائل البريد الإلكتروني من المدرسة أو عروض رحلات طيران مخفضة إلى ملقة.
أفضل أن أمارس المزيد من التمارين الرياضية، ربما من خلال الانضمام إلى منصة «سترافا» الرياضية الاجتماعية. فقد تضاعف عدد النوادي المنضمة إليها 4 مرات تقريباً العام الماضي. كما سيكون من الرائع تكوين صداقات جديدة؛ إذ تشهد الشركات التي تساعد في تحقيق ذلك، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي «تايم ليفت» أو «ميت 5»، ازدهاراً كبيراً.
نصف الشركات العشر الكبرى المدرجة في مؤشر «إس أند بي 500» لم تكن موجودة أصلاً حين بدأت الاستثمار. فكم قد تبلغ قيمة شركة ناشئة لو استطاعت أن تساعد كلاً منا ليصبح الشخص الذي يطمح أن يكونه؟ مقارنة بذلك، يبدو الذكاء الاصطناعي أمراً ضئيلاً.
قد يبدو هذا الكلام أشبه بـ «ترهات» العصر الجديد، لكنني كنت أعتقد سابقاً أن النوادي الرياضية مجرد صيحة عابرة ستزول مع الوقت.

