مايكروسوفت تضع طموحات شركات مراكز البيانات تحت الاختبار

لويز لوكاس
ليس هناك ما يعطل خطط شركة للاستعداد للطرح العام في البورصة أكثر من تراجع عميل كبير عن التزاماته. وهذا ما تواجهه شركة «إنسكايل» (Nscale)، المختصة في البنية التحتية السحابية للذكاء الاصطناعي، التي تستهدف الإدراج في بورصة نيويورك بتقييم يبلغ 35 مليار دولار، إذ أصبح عليها إعادة النظر في افتراضاتها بعدما ألغت مايكروسوفت اتفاقاً لاستئجار قدرات حوسبة في مركز بيانات تابع للشركة في المملكة المتحدة.

واتخذت عملاقة التكنولوجيا الأمريكية قرارها لأن مركز البيانات الواقع في «إسيكس»، والذي يمثل جزءاً محدوداً من إجمالي تعاقداتها مع «إنسكايل»، لن يحصل على الأرجح على إمدادات الكهرباء قبل عام 2030. ولا يمثل ذلك انتكاسة لمزود الخدمات السحابية المدعوم من «إنفيديا» وحده، والذي يضم بين أعضاء مجلس إدارته مسؤولين سابقين في «ميتا»، هما السير نيك كليج وشيريل ساندبرج، بل يسلط الضوء أيضاً على مواطن الخلل التي تواجه الشركات المنافسة في هذا القطاع سريع النمو من صناعة الذكاء الاصطناعي.

وتعتمد شركات الحوسبة السحابية المختصة في الذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم «نيوكلاود»، على توافر مجموعة من العناصر المتكاملة. فالإمدادات الكهربائية شرط أساسي للفوز بعقود طويلة الأجل وكبيرة الحجم، شأنها شأن الرقائق والبنية التحتية وترتيبات التمويل متعددة الأطراف، التي يجب توفير جزء كبير منها مقدماً. وعندما تكتمل هذه العناصر، يمكن أن تبلغ قيمة الاتفاقات الناتجة عنها مستويات ضخمة؛ فقد تجاوزت قيمة الإيرادات المتعاقد عليها لدى «إنسكايل»، أي ما يشبه دفتر طلبياتها، 100 مليار دولار، بما يعادل نحو 40 ضعف قيمة أعمالها النشطة حتى نهاية أغسطس.

لكن هذا الرقم يخفي وراءه مخاطر كبيرة تتعلق بقدرة الشركة على التنفيذ. فمن دون الكهرباء أو الرقائق، لن يتحقق شيء. وتعتمد هذه العقود على نشر 461 ألف وحدة معالجة رسومية، أي ما يقارب 20 ضعف العدد الذي تمتلكه الشركة حالياً.

كذلك، فإن الرقائق المستخدمة في سباق التكنولوجيا المتسارع اليوم لها عمر افتراضي محدود من حيث جدواها التجارية. وتعتقد «إنسكايل»، مثل الشركات المنافسة، أنها ستتمكن من إعادة تأجير الرقائق التي تصبح قديمة تقنياً إلى شركات أصغر، أو إلى جهات تحتاج إليها لتنفيذ مهام أقل تعقيداً. لكن لا توجد سوابق تثبت نجاح هذا النموذج.
وفي ظل اختناقات الإمدادات والقيود التي تواجه سلاسل التوريد، حرص العملاء على ضمان حقوقهم في إنهاء العقود. فشركة «أنثروبيك»، المختصة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتي تستحوذ مع مايكروسوفت على ما يقرب من 90 % من دفتر طلبيات «إنسكايل»، لا تمنح الشركة سوى هامش محدود من الإعفاءات في حال حدوث تأخيرات في سلسلة التوريد. كما أن جدول التسليم، الذي يقسم التنفيذ إلى مراحل متتابعة، يتيح إنهاء العقد عند نقاط زمنية محددة إذا لم تحترم المواعيد النهائية. أما بعض العقود الأخرى، فتقوم على أساس الطلب عند الحاجة، ويمكن أن تختفي في أي وقت.
رغم ذلك، لا تعد هذه المخاطر جديدة تماماً؛ فقد أشارت «إنسكايل» إلى كثير منها في وثائقها المقدمة تمهيداً للإدراج. وإذا افترضنا أن خطتها للطرح العام ستمضي قدماً، وهو افتراض جريء في ضوء عدد شركات مراكز البيانات التي تعثرت خطط إدراجها، فكيف ينبغي للمستثمرين تقييم الشركة؟
الإجابة هي: بتحفظ شديد. فقد بلغت إيرادات «إنسكايل» 141 مليون دولار في النصف الأول من العام. وإذا استمر معدل النمو الاستثنائي الذي حققته خلال تلك الفترة في النصف الثاني من 2026، فستصل مبيعاتها السنوية إلى نحو 420 مليون دولار.
وإذا منحت الشركة مضاعف التقييم نفسه الذي تتمتع به نظيرتها «نيبيوس» (Nebius)، فسيعني ذلك تقييماً يزيد قليلاً على 6 مليارات دولار، أي أقل بكثير من القيمة المستهدفة للطرح البالغة 35 مليار دولار. بل إن التقييم سيكون أدنى من ذلك إذا استخدم مضاعف «كور ويف» (CoreWeave)، المتواضع للغاية. فقد فقدت أسهم شركة الحوسبة السحابية الأمريكية نصف قيمتها خلال الأشهر الستة الماضية.
إن عجز شركات «نيوكلاود» عن توفير جميع المتطلبات اللازمة لتشغيل مراكزها سيحول مزيداً من الأعمال إلى الشركات الأكبر حجماً، سواء شركات بناء مراكز البيانات أم مشغليها، ممن لديهم طاقة استيعابية جاهزة، أو يتمتعون بالنفوذ والقدرة المالية الكافيين لإنجاز المشروعات في المواعيد المحددة.
ويمثل ذلك مكسباً لشركات الحوسبة السحابية فائقة النطاق، مثل «سبيس إكس». فليست الغيوم في السماء وحدها هي التي قد تحمل بشائر الخير؛ إذ يمكن أن تفتح اختناقات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي آفاقاً أوسع أمام الشركات الأقدر على توفير الطاقة والقدرات الحاسوبية في الوقت المناسب.