هل الزراعة الذكية حقاً تجارة ذكية؟

باتي فالدمير
تساعد النظارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي المزارعين على رصد أمراض المحاصيل في الحقول، بينما تستطيع الآلات الزراعية الدقيقة استهداف الأعشاب الضارة بدقة، وزراعة البذور في الاتجاه الصحيح في كل مرة، بل وحتى قيادة نفسها بنفسها وقت الحصاد. لقد أصبحت الزراعة في الولايات المتحدة أكثر ذكاء من أي وقت مضى، لكن هل هي مجدية تجارياً؟ ينبغي لهذه التكنولوجيا أن تثبت أنها تستحق تكلفتها؛ ليس فقط من الناحية المالية، بل أيضاً من حيث تأثيرها على جوهر مهنة الزراعة.
لقد تجاوز قطاع الزراعة الأمريكي حقبة مسلسل «منزل صغير على المرج» قبل عقود مضت؛ فقد أصبحت أنظمة التوجيه الآلي شائعة في زراعة المحاصيل الحقلية منذ سنوات، وأحدثت الروبوتات تحولاً في قطاع الألبان، كما تحلق الطائرات بدون طيار فوق المزارع. ولم تظهر الزراعة الدقيقة بالتزامن مع ظهور تقنيات مثل «تشات جي بي تي»، لكن خبراء الزراعة يؤكدون أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تحقق مكاسب مذهلة في كفاءة العمليات الزراعية.
في أحد أيام هذا الشهر، جلست في مقصورة مرتفعة داخل آلة حصاد كانت تشق طريقها عبر سيقان الذرة في مزرعة «بوب ستيوارت» التي تمتد على مساحة 10 آلاف فدان في ولاية إلينوي. وبجانبها، كان هناك مشهد لافت؛ جرار زراعي يعمل دون سائق يجر عربة لنقل الحبوب. ووفقاً لشركة «أجكو» وهي مجموعة مختصة في الآلات والتكنولوجيا الزراعية ومطورة منصة «أوت رن» للتشغيل الذاتي، فإن هذا يمثل مستقبل الزراعة الأمريكية. فعندما تمتلئ عربة الحبوب، تنطلق تلقائياً نحو شاحنة تنتظرها، ثم تعود أدراجها لتستأنف العمل. وتذكر شركة «أجكو» أن تكلفة تزويد جرار قائم بالفعل بنظام التشغيل الذاتي تبلغ 60 ألف دولار، إضافة إلى رسوم سنوية قدرها 9 آلاف دولار.
وأوضح ستيوارت، الذي تزرع عائلته في المنطقة منذ خمسينيات القرن التاسع عشر قائلاً: «تعد العمالة أكبر هواجسنا». فهو لا يملك سوى 6 موظفين متفرغين، بينهم أفراد العائلة، ويقول إن «هذه مساحة هائلة، ومعدات ضخمة تتطلب عناية فائقة، في ظل عدد قليل جداً من العاملين». ولا تعد أزمة نقص العمالة الزراعية في الولايات المتحدة أمراً جديداً؛ إذ أخبرني أنه: «خلال العشرين عاماً الماضية، لم يعد الكثير من الشباب يعودون للعمل في الزراعة بعد التخرج»، مضيفاً أن تشديد إجراءات الهجرة زاد الأمور سوءاً.
ولكن هل تكتسب التكنولوجيا جدوى اقتصادية واضحة؟ شارك تشاد فيشتير، الباحث في مركز الزراعة التجارية بجامعة بيردو، في إعداد دراسة حول التشغيل الآلي لمزارعي الذرة وفول الصويا في الغرب الأوسط، وخلصت الدراسة إلى أنه «في ظل افتراضات الأداء الحالية، يجب تعين أن ترتفع أجور العمالة إلى أكثر من 140 دولاراً في الساعة قبل أن تحقق الآلات ذاتية القيادة عوائد أعلى مقارنة بالمعدات التقليدية».
ويتوقع فيشتير، الذي كان عمل في زراعة الذرة وفول الصويا لمدة عقد من الزمن، أن بعض المزارعين قد يختارون التشغيل الآلي حتى وإن لم يكن مجدياً مالياً؛ فقد صرح لي بأنه «سيكون هناك مزارعون للحبوب يتبنون هذه التكنولوجيا لا بسبب الأرباح بل من أجل نمط الحياة»، مضيفاً أن مشاهدة مباراة كرة قدم لطفل أو تناول العشاء في المنزل «يمكن أن يشكلا دافعين أقوى بكثير من الربحية».
وأخبرني فيشتر أنه رغم حبه للتكنولوجيا الجديدة واستخدامها في أعماله الزراعية، إلا أنها «كانت في كثير من الأحيان مصدراً لتشتيت الانتباه». وقال: «كنت قادراً على حل مشكلات صغيرة أدت إلى نتائج أفضل قليلاً، لكن دون معالجة العقبات الحقيقية التي كانت تعيق تقدمي».
وأقر إريك هانسوتيا، الرئيس التنفيذي لمجموعة «أجكو»، بأن «المزارعين مختلفون للغاية في مواقفهم بشأن هذا الموضوع». وقال لوسائل الإعلام عقب يوم التكنولوجيا الأخير الذي نظمته الشركة قائلاً: «في عمليات زراعة قصب السكر، تمتد الأنشطة لـ10 أشهر في السنة، و24 ساعة في اليوم، وحجم العمالة المطلوبة هائل». ولهذا فهم يطلبون التشغيل الآلي «في الوقت الحالي، وبأقصى سرعة ممكنة وبقدر ما نستطيع تقديمه». وفي المقابل، فإن مزارعاً في الغرب الأوسط يمتلك 2,000 فدان «ويستمتع بنوع ما بقيادة الجرار» قد يكون أقل حماسة بكثير للتحول نحو الأنظمة ذاتية القيادة.
أما برادي هولست، نائب رئيس جمعية فول الصويا في إيلينوي، فهو محب آخر للتكنولوجيا لكنه غير مقتنع بها تماماً. وقد التقيت به في ذروة موسم الحصاد، حيث اعترف بأنه يشعر بإغراء اقتناء عربة حبوب بلا سائق، قائلاً: «يعني ذلك وجود شخص خارج الجرار يمكنه إنجاز مهمة أخرى وقت الحصاد».
ولكن عندما يتعلق الأمر ببعض التطبيقات الزراعية للذكاء الاصطناعي، مثل خرائط «التوصيات» الجغرافيا التي يولدها الذكاء الاصطناعي، فهو يرى أنها ليست جاهزة بعد للبث التجاري الواسع؛ إذ قال: «أنت تشغل النموذج مرتين فتحصل على نتائج مختلفة ناهيك عن حقيقة أن الطقس والتعريفات الجمركية وتكلفة الديزل قادرة على محو أي مكاسب ضئيلة قد تجنيها من أي تكنولوجيا حديثة».
ويؤكد ستيوارت أن قطاع الزراعة الأمريكي يتسع لكلا الأمرين، مبيناً أن «البعض سيتبنى التقنية، والبعض الآخر لن يفعل. ولكن ذلك لا يعني أنهم لن يكونوا قادرين على الزراعة بعد عشر سنوات».