ويل أرنولد
اشترى أصدقائي مؤخراً منزلهم الأول؛ وهو شقة في الطابق الأرضي، أرادوا تجديدها لتناسب ذوقهم الخاص. لقد تخيلوا حياة طويلة هناك، حيث يلعب أطفال المستقبل في ظل شجرة الزان الموجودة في الحديقة، وخططوا لإضافة توسعة تضم مطبخاً وغرفة معيشة لتصبح القلب النابض الجديد للمنزل.
وستكون هذه التوسعة واحدة من بين ربع مليون طلب ترخيص بناء، تمنح كل عام في المملكة المتحدة وحدها. وخلافاً لمطارات الطائرات أو مناجم الفحم لا تحتل هذه الطلبات عناوين الصحف الرئيسية، ورغم ذلك فإن انبعاثات الكربون الناجمة عنها مجتمعة تبدو هائلة، وتشكل المواد الخمس الكبرى، الخرسانة، والصلب، والزجاج، والألومنيوم، والطوب سنوياً 10 % من الانبعاثات العالمية، و30 % من النفايات في العالم، و50 % من إجمالي عمليات استخراج المواد، وتعد الخرسانة ثاني أكثر المواد استهلاكاً على كوكب الأرض بعد الماء، ولكن ماذا عسانا أن نفعل؟ هل نتوقف عن البناء؟ ربما لا؛ فنحن بحاجة إلى المنازل، والمدن تتطور والاحتياجات تتغير، إلا أنه يمكننا أن نتعلم شيئاً من قصة أصدقائي.
في حالتهم تلك كانت الشجرة تسبب بعض المشكلات، فقد كان المهندس الإنشائي قلقاً من أن التوسعة المخطط لها قريبة جداً منها، وأن التربة، وبالتالي التوسعة، ستصعد وتهبط مع تغير الفصول مع تباين حاجة الشجرة لماء الجوف بين الصيف والشتاء، ومع حدوث حركة مفرطة ستتعرض الجدران للتصدع.
وكان الحل الذي توصل له هو بناء أساسات خرسانية بعمق مترين حول المساحة بأكملها، بإضافة إلى بلاطة خرسانية سميكة وجيدة تمتد بينها، وقد بلغ إجمالي ذلك نحو 50 طناً من الخرسانة لتوسعة تبلغ مساحتها 50 متراً مربعاً، وهي نسبة الوزن إلى المساحة التي تضاهي أطول مبنى في العالم، وهو برج خليفة في دبي.
وبلغ إجمالي البصمة الكربونية لجميع المواد المستخدمة في توسعتهم 25 طناً من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يمثل أكثر من ضعف ما يصدره المواطن البريطاني العادي في عام كامل، ويماثل قيادة سيارة «لاند روفر ديفندر» لمسافة 50 ألف ميل. وهذه القصة ليست استثنائية، كما أنهما ليسا الزوجين الأولين اللذين يقال لهما إنهما بحاجة لأساسات أعمق، لكن القائمين على أعمال التجديد نادراً ما يأخذون الحسابات البيئية في الاعتبار.
ودعنا نذهب بالخيال إلى أقصى حدوده، ونفترض أن المهندس قرر ضرورة تعميق الأساسات إلى أعماق سحيقة، ولنقل إلى مركز الأرض، هل كان أحد سيكترث حينها بحجم الانبعاثات؟ حجم الخرسانة المطلوبة للوصول إلى هذا العمق كانت ستؤدي لانبعاث 3 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل البصمة الكربونية لمدينة لندن في شهر واحد، ومرة أخرى هل كان أحد سيهتم بالانبعاثات في تلك الحالة؟ أشك في ذلك.
المحبط في الأمر هو وجود حلول وبدائل ليست معقدة إلى هذا الحد، لكن أصدقائي لم يعرفوا كيف يسألون الأسئلة الصحيحة، وقد شعرت بخيبة أمل أن المهندس المعماري أو الإنشائي لم يقترحا تدابير لتقليص البصمة الكربونية، لكن ماذا لو كان أصدقائي مسلحين بالأسئلة الصحيحة؟
هل يمكننا تحقيق النتيجة ذاتها باستخدام كمية أقل من الخرسانة؟ كان ينبغي أن يكون هذا أول سؤال يطرح؛ وبالتحديد في حالتهم: كيف يمكننا جعل هذه الأساسات أخف وزناً؟ لم يكن اقتلاع الشجرة خياراً مطروحاً أبداً، لأن ذلك كان سيؤدي إلى تحرك التربة، ولكن كان بالإمكان تركيز عمق الأساسات البالغ مترين في ركن التوسعة الأقرب للشجرة، مع إرساء باقي الأرضية على دعامات بعمق أقل من النصف، وبتكلفة بصمة كربونية تقل عن النصف أيضاً.
هناك أيضاً سؤال آخر مهم، ما الذي يمكننا الاحتفاظ به وإعادة استخدامه؟ لأن هذا يوفر الوقت، والمواد، والتكلفة، ويحمي الكوكب، وحالياً غالباً ما تهدم الجدران لإنشاء مساحات مفتوحة، لكن الاحتفاظ بجزء من الجدار، يقل طوله عن متر واحد، عند كل طرف يجنبنا الحاجة لشراء عمود فولاذي جديد في تلك المواضع، بالمثل فإن طلب إدراج «عمود مميز» في التصميم، سواء كان أنبوباً فولاذياً معاد تدويره بلون أحمر جريء أو دعامة خشبية من خشب البلوط بملمس طبيعي، يغني عادة عن الحاجة إلى عارضة فولاذية ضخمة لدعم الطابق العلوي، فالعمود الواحد يزن تقريباً نصف وزن العارضة الفولاذية العميقة، وتبلغ تكلفته نصف تكلفتها.
وما بدائل المواد التي يمكننا اعتمادها؟ تتيح وفورات التكلفة الممكنة من خلال الاحتفاظ بالعناصر الإنشائية اختيار مواد أكثر بهجة وببصمة كربونية أقل، باستخدام المواد الخشبية بدلاً من الفولاذ، وعزل القنب بدلاً من البوليسترين، وأرضيات الفلين بدلاً من البلاستيك والشرائح الخشبية أو المركبة، وهي خيارات يمكنها مرة أخرى خفض البصمة الكربونية للتصميم إلى النصف، وتتميز هذه المواد بكونها دافئة ومتجددة وقابلة للتنفس، وبجودة عالية، وتدوم طويلاً بالقدر نفسه، كما تضفي ملمساً متميزاً على المنزل.
من المرجح أن يمتد عمر التوسعة التي أجراها أصدقائي في منزلهم لعمر أطول من عمر سيارة دفع رباعي، بل ربما يعيش أطول من عمرهم هم أنفسهم، وربما يظل قائماً حتى بعد رحيل أبنائهم، لكن الانبعاثات الكربونية التي نتجت عن مشروع البناء هذا ستظل في الغلاف الجوي لفترة أطول بكثير؛ إذ سيبقى ربع كمية ثاني أكسيد الكربون تلك في غلافنا الجوي بعد مرور ألف عام من الآن، لكن الخبر السار هو أنه يمكنك تجنب ارتكاب الخطأ نفسه الذي لا يتطلب منا جميعاً أن نصبح مهندسين، بل يبدأ ببساطة بطرح الأسئلة الصحيحة.
أيهما أكثر ضرراً بالكوكب.. توسعة مطبخك أم سيارتك رباعية الدفع؟

