إدوين هيثكوت
استعارت شركة «آي بي إم» مصطلح «الهندسة المعمارية» للمرة الأولى عام 1959، لوصف البنية المعقدة داخل الحاسوب «سترتش»، المختفية خلف هيكله الخارجي ولوحات التحكم، والذي كان أسرع كمبيوتر في العالم آنذاك، ومنذ ذلك الحين تباين اهتمام قطاع التكنولوجيا بالتصميم بين الصعود والفتور.
لقد جعلت «أبل» شاشاتها السوداء اللامعة رمزاً لاختزال التكنولوجيا في واجهات رقمية أنيقة ومسطحة، بعدما انتقلت وظائف كثيرة من أجهزة مادية منفصلة إلى سطح زجاجي واحد، لكن هذه الأناقة تختفي تقريباً عند النظر إلى مراكز البيانات، وهي الشكل المعماري الأبرز لعصرنا الرقمي؛ إذ تبدو في الأغلب صناديق ضخمة رتيبة، أشبه بمستودعات تضم خزائن بحجم الثلاجات، مكدسة بشرائح الحاسوب، غير أن هناك مجالاً واحداً يبدو فيه مصطلح «الهندسة المعمارية» ملائماً تماماً، الحواسيب الكمومية. إنها أجهزة مذهلة في مظهرها؛ ثريات ذهبية بالغة التعقيد، وشبكات متشابكة على نحو يصعب تصوره من الكابلات والأسلاك، تصل بين صفوف من الأقراص النحاسية المصقولة، المعلقة في طبقات متتابعة.
ويمنحنا هذا التعقيد الآسر لمحة عن طبيعتها، التي يصعب على العقل استيعابها، وهو ما عبر عنه الفيزيائي النظري ريتشارد فاينمان بقوله: «لا أحد يفهم ميكانيكا الكم»، كما تستحضر هذه الأجهزة أجواء الخيال العلمي الكلاسيكي، بأكثر من وجه، وتعيد إلى الأذهان أفلاماً يعود عمرها إلى نحو قرن، مثل فيلم «متروبوليس»، الذي صُممت آلاته بحيث تبدو وكأنها تنجز أعمالاً تكاد تكون مستحيلة، وبطريقة ما هذا بالضبط ما تفعله الحواسيب الكمومية.
تعمل الحوسبة الكمومية فيما يُعرف باسم «فضاء هيلبرت»، وهو فضاء رياضي مجرد يمكن أن تتعايش فيه حالات كمومية لا حصر لها، ففي حين تخزن الحواسيب التقليدية البيانات في صورة وحدات ثنائية، تُعرف باسم «البتات»، لا تأخذ سوى إحدى قيمتين: صفر أو واحد، تستخدم الحواسيب الكمومية وحدات تُسمى «الكيوبتات»، يمكن أن تكون صفراً أو واحداً، أو كليهما في الوقت نفسه، ويتيح عمل هذه الحواسيب في حالات متعددة فحص عدد كبير من الحلول المحتملة بالتزامن.
وبالطبع يصعب على معظمنا استيعاب فكرة الفضاء متعدد الأبعاد، وربما يبدو التعقيد الذي تتجلى فيه هذه الأجهزة، الشبيهة بالثريات الكمومية، تجسيداً بصرياً مناسباً لهذه الصعوبة، لكن المفارقة أن كل تلك التجهيزات الآسرة في مظهرها ليست، في جوهرها، سوى منظومة للتبريد، فهذه الحواسيب تحتاج إلى العمل في درجات حرارة شديدة الانخفاض، لا تزيد إلا بجزء ضئيل من الدرجة على الصفر المطلق، البالغ سالب 273.15 درجة مئوية؛ أي في درجات برودة تفوق حتى درجة الحرارة في أعماق الفضاء. وبسبب الحاجة إلى هذا التبريد المكثف توضع المنظومة بأكملها عادة داخل صندوق مغلق، لنعود بذلك إلى نقطة البداية: صفوف من الصناديق الرتيبة، لكن شركة واحدة حاولت أن تعكس شيئاً من هذا التعقيد في التصميم الظاهر لحاسوبها الكمومي، فقد استعانت شركة «كوانتوم موشن»، ومقرها لندن، بالمصمم فيليكس ثورن لتجسيد فكرة الأكوان الكمومية المتعددة في تصميم ملموس، وكانت النتيجة قطعة تشبه إلى حد ما حاجزاً زخرفياً قابلاً للطي، على طراز «آرت ديكو»، تتخلل أسطحه الزجاجية قنوات ذهبية لأنظمة التبريد. وفي قلب التصميم تقع أسطوانة التبريد فائق الانخفاض، التي تضم النواة شديدة البرودة للحاسوب نفسه. إنه تصميم يراد له أن يثير الإعجاب: عمل فني تركيبي متلألئ، يميل قليلاً إلى التكلف، ويختزل تعقيداً هائلاً في صورة جمالية مبسطة، بل يمكن القول، إن التصميم لا يبدو غريباً بما يكفي لتجسيد وظيفة تعمل عبر أكوان موازية لا نعرف حتى إن كانت موجودة، فجزء كبير من تعقيده جمالي بحت، إذ يمثل وظائف الجهاز بصرياً، لا الوظائف ذاتها، لكن هذا التمثيل البصري قد يكون مهماً أحياناً.
لا تزال الحوسبة الكمومية تقنية ناشئة، تحمل وعداً بتسريع القدرات الحاسوبية بوتيرة هائلة. وقد غذّت المخاوف الأخيرة المحيطة بالذكاء الاصطناعي، جزئياً، مناشدات أطلقها عمالقة التكنولوجيا مطالبين بوضع قيود على نشاطهم، لكن ردود الفعل الرافضة تأججت أيضاً بفعل الطفرة في بناء مراكز البيانات العملاقة، فهذه المنشآت الضخمة، الصاخبة، الشرهة للطاقة والمياه، والمفتقرة إلى الرشاقة المعمارية، تمثل ثقلاً مادياً ملموساً في مواجهة الصورة الأثيرية التي توحي بها «السحابة»، وقد جعلها ظهورها المادي الواضح الذكاء الاصطناعي أكثر واقعية في نظر الناس، فيما أتاح التضخم الهائل في حجم البيانات المجال أمام توسعه وهيمنته.
ولم تكن شركات التكنولوجيا الكبرى دائماً بارعة في التعامل مع الجانب الجمالي لمنتجاتها، لكن الغلاف الخارجي مهم، فالتجربة الفكرية الشهيرة، التي تُعرف باسم «قطة شرودنغر» لا تستقيم من دون الصندوق الذي توضع فيه القطة، بل إن الصندوق نفسه، في بعض الأحيان، هو جوهر الفكرة.
والدرس الذي يقدمه الحاسوب الأنيق لشركة «كوانتوم موشن» هو أن التكنولوجيا تحتاج إلى أن تبدو ذكية، بل وأنيقة أيضاً، فالتصميم الجيد يجذب الأنظار، ويقنع المتلقي، وربما يساعد كذلك على تهدئة المخاوف.

