بريطانيا تحتاج لتحرير العمال من قيود عدم المنافسة

هيئة تحرير فايننشيال تايمز

لم تعد بنود «عدم المنافسة» تقتصر على كبار المسؤولين التنفيذيين فحسب، بل أصبحت تنتشر اليوم في مختلف قطاعات العمل بالمملكة المتحدة، بدءاً من شركات التكنولوجيا الناشئة، وصولاً إلى المطاعم، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من ربع العاملين مقيدون بهذه الاتفاقيات، التي تمنع الموظفين من الانضمام إلى شركة منافسة أو تأسيس عمل تجاري منافس لفترة زمنية محددة بعد استقالتهم من وظائفهم.

وفي الأسبوع الماضي تعهد رئيس الوزراء آندي بورنهام بسن تشريعات تحظر استخدام هذه البنود، وذلك عقب مراجعة أطلقها سلفه، السير كير ستارمر، العام الماضي، وموقفه هذا صائب، فبينما قد توفر هذه القيود حماية لبعض الشركات، إلا أن الأدلة المستمدة من التجارب الدولية تؤكد أنها تأتي على حساب الحيوية الاقتصادية، وهو أمر لا يمكن لبريطانيا تحمل تبعاته.

وعلى المستوى الفردي تحرم هذه العقود العاملين من الانتقال إلى وظائف قد تكون أكثر ملاءمة لقدراتهم أو توفر لهم أجراً أعلى، ويعد هذا الأمر بالغ الضرر لذوي الدخل المحدود والشباب، الذين قد يضطرون للتضحية بأشهر من الدخل، واكتساب الخبرة بعد الاستقالة، وفي حي المال في لندن هناك حالات لعاملين يضطرون للبقاء خارج سوق العمل لأكثر من عام.

ورغم أن القانون البريطاني لا يقر عادة بإنفاذ بنود «عدم المنافسة» إلا إذا أثبتت الشركات أنها «منطقية» فإن الطعن فيها يتطلب إجراءات قضائية مكلفة، ما يثني العاملين عن اتخاذ أي خطوة قانونية، كما أن هذه البنود تؤدي إلى تآكل المهارات، وكبح نمو الدخل، وتحد من فرص توسع الأعمال التجارية، وظهور أفكار جديدة. وقد أشار بورنهام تحديداً إلى أن هذه البنود تشكل «عائقاً أمام الابتكار»؛ إذ يخضع نحو 40 % من العاملين في المملكة المتحدة، في قطاعات العلوم، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لمثل هذه الاتفاقيات.

وولاية كاليفورنيا، التي تحتضن «وادي السيليكون»، حظرت بنود «عدم المنافسة» منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهناك أدى انتقال مجموعة من المهندسين والعلماء، عرفوا باسم «الثمانية الخونة»، من شركة رائدة في أشباه الموصلات عام 1957، إلى وضع اللبنات الأساسية لوادي السيليكون، كما أكدت الأبحاث أن بنود عدم المنافسة تضر بالاقتصاد ككل، وتوصلت دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على 15 اقتصاداً متقدماً، ونشرت في يوليو، إلى أن ارتفاعاً بنسبة 10 % في انتشار هذه القيود في قطاع ما يرتبط بانخفاض قدره 1.9 % في الإنتاجية، وتراجعاً في تنقل العمالة، مع بطء في انتقال المعرفة، وفي بريطانيا تؤدي تكاليف السكن المرتفعة وضعف شبكات النقل لتقييد تنقل العمالة بالفعل، ويضاف إلى ذلك عقود العمل الصارمة عائقاً إضافياً، إلا أن خطط الحكومة البريطانية تواجه معارضة من الشركات الكبرى والقطاع المالي، التي ترى أن بنود عدم المنافسة ضرورية لحماية الملكية الفكرية، والاستثمار في التدريب، والعلاقات مع العملاء. ورغم أن هذه المخاوف مشروعة إلا أن هناك بدائل أخرى لمعالجتها دون أن يتكبد الاقتصاد ككل تكاليف باهظة، مثل قوانين الملكية الفكرية، واتفاقيات «عدم استدراج العملاء أو الموظفين»، وإذا كان أصحاب العمل يترددون في تدريب الموظفين خشية رحيلهم فإن الاحتفاظ بموظفين توقفت مهاراتهم عن التطور له تكاليف أيضاً.

ومن الخيارات المطروحة للنقاش في المملكة المتحدة يبرز «الحظر التام» لبنود عدم المنافسة كونه حلاً أكثر وضوحاً وفعالية، وبما أن عبء هذه البنود يقع بشكل غير متناسب على كاهل العمال ذوي الأجور المنخفضة، ومن يواجهون قيوداً طويلة الأمد، فإن محاولة تعديل القواعد بناء على الأجور، أو حجم الشركات، أو مدة العقود قد يؤدي إلى تعقيدات وثغرات قانونية، كما أن إلغاء الحماية التي توفرها هذه البنود سيشجع الشركات على التنافس لجذب الكفاءات من خلال تقديم أجور أفضل، وظروف عمل أرقى، وشروط تعاقدية أكثر جاذبية، وأياً كان النهج الذي سيختاره الوزراء ينبغي للسلطات أن تظل يقظة تجاه لجوء أصحاب العمل إلى بنود تقييدية أخرى للالتفاف على هذه القواعد.

لقد تأخرت بريطانيا طويلاً في التعامل مع مسألة بنود «عدم المنافسة»؛ لذا فقد حان الوقت لمنح العمال حرية أكبر في التنقل، ولتحفيز الشركات في الوقت نفسه على تقديم أسباب مقنعة، تدفع الموظفين للبقاء لديها طواعية.