‏ كيف يجب ألا نحيي صناعة السيارات في أوروبا؟

آلان بيتي‏
تتلخص الرؤية السائدة لدى الشركات الكبرى والحكومات في الاتحاد الأوروبي، وإن كنت أكرر الكلام نفسه، في أن الصين مارست التحايل عبر استخدام الدعم الحكومي للسيطرة على السوق وتقويض المنافسين. وبمعايير سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصين، يعد «التفاهم» الذي أبرمه مفوض التجارة ماروش شيفشوفيتش مع بكين لتحديد حصة استيراد غير رسمية للسيارات الهجينة التقليدية والسيارات الهجينة القابلة للشحن نصراً.
هذا الاتفاق، الذي أُعلن عنه الأسبوع الماضي، سد عملياً ثغرة تركها الاتحاد الأوروبي عندما فرض رسوماً لمكافحة الدعم على السيارات الكهربائية عام 2024. إلا أن تلك الرسوم الجمركية لن تكون مفيدة حقاً، إن لم تدخل الشركات الأوروبية تحسيناً جذرياً على طريقة عملها، فإن حصص الاستيراد الجديدة أو الإضافات التي يعتزم الاتحاد الأوروبي إدخالها على ترسانته التجارية لن تمنح التكتل القدرة على مواجهة المنافسة الصينية.
فقد واصل إجمالي واردات السيارات الكهربائية الصينية الارتفاع. وضمن هذا الإجمالي، نجحت السيارات الصينية في زيادة حصتها السوقية، خصوصاً على حساب شركة «تيسلا». لكن العامين الماضيين أظهرا أن شركات السيارات التقليدية تخوض صراعاً عسيراً للمنافسة، حتى وهي تحاول استغلال الرسوم المفروضة على الدعم لترجيح كفة الميزان لصالحها.
وفي هذا السياق، تسجل شركة «فولكس فاجن»، بصفتها المنتج الأوروبي الرائد ومقياساً لأداء القطاع، مبيعات أعلى من السيارات الكهربائية داخل الاتحاد الأوروبي، لكنها تتلقى ضربات موجعة في السوق الصينية، ما دفع رئيسها التنفيذي للتصريح بأن صناعة السيارات في الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى مزيد من الدعم.
أما شركة «بي إم دبليو»، ورغم أن منصة التصميم الخاصة بها «نوي كلاسه» (Neue Klasse) تعد أكثر تطوراً من معظم المصنعين الأوروبيين، إلا أنها تبدو متأخرة عن الركب الصيني. وتوضح أرقام مجموعة «التنقل والبيئة» التي لا تهدف إلى الربح، أنه ورغم الرسوم الجمركية، لا تزال السيارات الكهربائية الصينية منافسة بقوة من حيث السعر في جميع الفئات مقابل نظيراتها الأوروبية داخل سوق الاتحاد الأوروبي.
إن الأمر يتعلق بالاستراتيجية والإدارة بقدر ما يتعلق بالدعم المالي. فشركات مثل «بي واي دي» استفادت حتماً من الدعم الحكومي في الماضي، إلا أنها صقلت وطورت عملياتها في أتون سوق محلية صينية للسيارات الكهربائية تتسم بالمنافسة الشرسة. وفي غضون ذلك، كان المصنعون الأوروبيون يكتفون بتحقيق تقدم هندسي طفيف وتدريجي في تقنية محركات الاحتراق الداخلي التي عفا عليها الزمن.
وكما كتب هوسوك لي-ماكيياما من مركز الأبحاث «ECIPE» أخيراً لنشرة «بوردرليكس» التحليلية «بينما كانت شتوتغارت تطور محرك الديزل وتحسنه حتى آخر رقم عشري، كانت مقاطعة أنهوي الصينية تحلم بسيارة كهربائية ذاتية القيادة».
لقد شهد الإنفاق الإجمالي للصين على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعاً حاداً على مدار ربع القرن الماضي، ليصبح الآن أعلى بكثير من معدل الاتحاد الأوروبي. ورغم أن إنفاق ألمانيا على البحث والتطوير بالمقياس ذاته أعلى بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي، إلا أنه نما بمعدل أبطأ بكثير. ويشير لي-ماكيياما إلى أن الشركات الأوروبية كانت توزع أرباحاً على المساهمين، بينما كانت الشركات الأمريكية والصينية واليابانية تستثمر في التقنيات الحديثة.
كما أبدت الحكومات وشركات السيارات الأوروبية اهتماماً ضئيلاً بالتحدي الصيني الوشيك في أوائل عشرينيات القرن الحالي، وركزت بدلاً من ذلك على جعل سياراتها مؤهلة للحصول على الإعفاءات والتخفيضات الضريبية الأمريكية. أضف إلى ذلك، أن اللقاء الأخير بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أظهر استمرار الهوس الألماني القديم بالضغط على الاتحاد الأوروبي لتخفيف وتأجيل موعد التخلص التدريجي من سيارات الاحتراق الداخلي المقرر عام 2035.
تعد السيارات الهجينة القابلة للشحن الواردة في اتفاق شيفشوفيتش جاذبة للمصنعين الأوروبيين لأنها تستخدم جزءاً من سلاسل التوريد القائمة لمحركات الاحتراق الداخلي، وتحقق حالياً هامش ربح مرتفعاً. غير أنها أثبتت أنها مجرد تقنية انتقالية، لتكون الغلبة في النهاية للسيارات الكهربائية بالكامل التي تعمل بالبطارية. وللأسف، من المرجح جداً أن تتحول هذه الحصص ببساطة إلى برنامج طويل الأجل لتجارة يتحمل فيها المستهلكون تكلفة أعلى للسيارات، بينما تعود أوروبا لترسيخ هيمنة شركات تقليدية ضعيفة الأداء.
كما أن اتفاق الحصص ليس بالنموذج الذي يرجح أن تطبقه الصين عبر باقي القطاعات الصناعية التي حققت فيها أسبقية تقنية وتنافسية، بما في ذلك الروبوتات، والمواد الكيميائية، والطاقة المتجددة، والطائرات المسيرة. فالصين تدرك الأهمية الرمزية للسيارات بالنسبة للاتحاد الأوروبي؛ ولذا فإن اتفاق السيارات الهجينة يمثل تنازلاً عميقاً ولكنه محدود النطاق.
وليس الأمر أن الشركات الأوروبية عاجزة عن الابتكار؛ فشركة «أي إس إم إل» الهولندية الرائدة عالمياً في تصنيع آلات الطباعة الضوئية للشرائح الإلكترونية، حصلت على دعم من القطاعين العام والخاص، لكنها لم تحظ قط بأي حماية تجارية واسعة النطاق.
قد يكون التدخل التجاري مفيداً إذا جاء كجزء من استراتيجية أوسع للابتكار. إلا أن أولئك الذين يطالبون بمزيد من الحماية مطالبون بإثبات كيف سينهضون من عثرة لم تسببها المنافسة الأجنبية المدعومة فحسب، بل سببها أيضاً سوء الإدارة.