مارتن وولف
ذكرتنا الأيام القليلة الماضية بواحدة من أبرز حقيقتين اقتصاديتين معاصرتين؛ وهي أن رئيس الولايات المتحدة يمثل قوة هدامة. إلا أن هذا يتسق مع الحقيقة الثانية، وهي أنه رغم الاضطرابات والصدمات المتلاحقة في عصرنا، لا يزال الاقتصاد العالمي ماكينة نمو قوية، تدفعه ابتكارات استثنائية، وتمويل يتسم بالمخاطرة، وتراكم ضخم للديون. فهل يعقل أن يستمر هذا الوضع؟ السبب وراء الاعتقاد في استمراره يكمن في أن النمو كان السمة المهيمنة على الاقتصاد العالمي منذ منتصف القرن الماضي. إلا أن علينا ألا ننسى أن النمو شيء، والنمو المستقر شيء آخر تماماً.
فما هي إذن أحدث حماقات دونالد ترامب؟ أولاً، أطلق حرباً على إيران، دون أن يملك خطة، ما رفع أسعار الديزل في الولايات المتحدة وحول العالم. ثم أبرم، قبل بضعة أيام، صفقة مع فلاديمير بوتين للإفراج عن الديزل الروسي وضخه في الأسواق العالمية، في انتهاك للعقوبات المفروضة على روسيا بسبب أوكرانيا. كما طلب ترامب من كييف وقف ضرباتها على مصافي النفط الروسية، وهدد بقطع تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا ومنعها من الوصول للأسلحة الأمريكية. ولكن هذه الصفقة «غبية»، لأن نطاقها أضيق من أن يخفض أسعار الديزل بشكل ملموس، كما أنها غير أخلاقية.
والسياسات الأمريكية الحالية ليست مجرد طائشة وغير أخلاقية فحسب، بل تمثل أيضاً أحد أسباب حالة عدم اليقين التي يمر بها العالم. وفي هذا الصدد، افتتح صندوق النقد الدولي أحدث تقاريره عن «آفاق الاقتصاد العالمي» بتعليق من سيلفانا تينريو، المستشارة الاقتصادية الجديدة بالصندوق، جاء فيه: «في أقل من 7 سنوات، تعرض الاقتصاد العالمي لسلسلة استثنائية من الأحداث المتلاحقة». إلا أن كل هذه الصدمات، باستثناء الجائحة، من صنع البشر، أو ربما من صنع «القادة الأقوياء»؛ وتتمثل في حرب أوكرانيا، وحرب الرسوم الجمركية، والحرب في الشرق الأوسط. وكان بوتين قد أطلق شرارة الحرب الأولى في عام 2022، في حين بدأ ترامب الحربين الأخريين.
ولقد اختبرت هذه الصدمات، كما تقول تينريو: «مرونة الأسر، والشركات، والأسواق المالية، والحكومات. ولو نظرنا إلى كل تطور من هذه التطورات الرئيسية بمفرده لوجدنا احتمال حدوثه أمراً بعيداً، لكن تزامنها خلال فترة زمنية وجيزة يبدو أكثر غرابة واستثناء». رغم ذلك، وبما يثير الدهشة، فإن توقعات تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لنسب النمو خلال العام الحالي والعام المقبل، هي 3.1 % و3.4 % على التوالي، «ولم تتغير بوجه عام عن توقعات شهر أبريل»، رغم استمرار اضطرابات الطاقة لفترة أطول مما كان متوقعاً حينها. في المقابل، يتوقع أن يصل التضخم العالمي إلى 4.7 % هذا العام نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وإلى 4.1 % في 2027. لكن الخبر السار هو أن «انتقال هذه التأثيرات إلى التضخم الأساسي من المتوقع أن يظل محدوداً».
وأسباب هذه المرونة معروفة ومألوفة؛ وتشمل تعديل مسارات الصادرات والواردات بعيداً عن التجارة المباشرة بين أمريكا والصين. إلا أن العامل المهيمن تمثل في مرونة اقتصاد الطاقة العالمي، إلى جانب طفرة الاستثمار التي أحدثها الذكاء الاصطناعي. إلا أن أياً من العاملين غير مضمون الاستمرار؛ إذ يشير نيك بتلر إلى أن مخزونات النفط الخام والمشتقات انخفضت بعد 6 أشهر من السحب المستمر. فضلاً عن ذلك «لا تزال صادرات المشتقات النفطية من الديزل ووقود الطائرات في مستوياتها الدنيا». كما أن إمدادات النافثا واليوريا والغاز الطبيعي المسال (وهذا الأخير يحظى بأهمية خاصة لأوروبا) تواجه مخاطر أيضاً. كذلك، تتسبب طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في تركيز المخاطر؛ فحتى لو نجح الذكاء الاصطناعي تقنياً، فمن المرجح أن يتوقف مستوى الاستثمار عن النمو، إن لم يتراجع، عند مرحلة ما. أضف إلى ذلك احتمال ألا يحقق الذكاء الاصطناعي عوائد مالية على النطاق المأمول إطلاقاً.
كما يوجد مظاهر ضعف واضحة، خصوصاً في الأوضاع المالية العامة. فرغم الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة الحقيقية والاسمية بعد الجائحة، لا تزال معظم الاقتصادات الكبرى تسجل عجوزات مالية أولية ملموسة (قبل سداد مدفوعات الفوائد). ويبرز وضع أمريكا بشكل خاص في هذا الصدد، حيث يتوقع أن يسجل العجز المالي الأولي 4.8 % من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وتستحوذ أذون الخزينة على 58 % من إجمالي الاقتراض بمتوسط أجل استحقاق لا يتجاوز 5.9 سنوات.
ويركز تقرير آفاق الاقتصاد العالمي على أهمية إعادة بناء المساحة المالية للحكومات. والخبر السار هو أنه في ظل الظروف الراهنة، من المرجح أن يعوض الأثر السلبي للتشديد المالي انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية والاسمية. لكن معالجة الاختلالات في الحسابات الجارية العالمية تظل أمراً ضرورياً، وهو ما يجب أن يشمل الصين في نهاية المطاف.
كما يشدد التقرير على مخاطر أخرى، تشمل تفاقم الحروب القائمة، والتهديدات السيبرانية، المرجح أن يدعمها الذكاء الاصطناعي، والكوارث المناخية. ولا يمكن استبعاد حدوث انهيار في سوق الأسهم أو انهيار في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إذا جاءت العوائد مخيبة للآمال.
أما المخاطر الإيجابية، فتشمل تحقيق تقدم أسرع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم أن ذلك قد يتسبب في عواقب اجتماعية مدمرة. ومن السيناريوهات الإيجابية المحتملة أيضاً تسريع التحول في الطاقة، حيث أظهرت الأحداث الأخيرة عدم إمكانية الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي سيظل، بحكم موقعه الجغرافي، غير موثوق لدول عدة. ويوضح التقرير أن القدرة على استغلال الذكاء الاصطناعي وتلبية احتياجات الطاقة بشكل موثوق ستكون حاسمة لآفاق النمو. وللأسف، فإن الدول الأكثر فقراً في العالم هي الأكثر عرضة للضعف في كلا الجانبين، لذا يخشى التقرير من أن مستويات المعيشة فيها مرشحة للتخلف بدرجة أكبر عن الدول الغنية.
قد يكون من المريح الاعتقاد بأن العالم سيصبح أقل عرضة للصدمات، لكن الأرجح ألا يحدث ذلك. وعليه، فإن أفضل استجابة هي تعزيز الركائز الأساسية، خصوصاً المرونة والديناميكية الاقتصادية، إلى جانب تعزيز القدرة على الصمود في قطاع الطاقة. وكما يشير تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، من الضروري أن يكون الدعم الموجه للفئات الأكثر عرضة للصدمات محدداً ومؤقتاً؛ فقد ولى زمن الإنفاق العام السخي غير المقيد. كما سيكون من المفيد أيضاً لو توقفت الصدمات، غير أنني، بالنظر إلى طبيعة قادتنا، لا أراهن على حدوث ذلك.
الاقتصاد العالمي والعيش على شفير الخطر

