هيئة تحرير «فايننشيال تايمز»
من المنوط به تحديد التوقيت الرسمي على سطح القمر؟ هذا هو التساؤل الجوهري الذي يواجه المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM)؛ وهي هيئة يلعب دورها في الحياة الحديثة دوراً جوهرياً بقدر ما يظل حضورها العام غير معروف أو غامضاً.
وخلف هذا الاسم التقليدي، تتخفى المهمة المحورية للمكتب باعتباره الحارس الأمين لأنظمة القياس التي تحكم حركة العلم والمجتمعات حول العالم. وابتداء من اليوم الثلاثاء، سيجتمع أعضاء المكتب في مدينة فرساي خارج العاصمة الفرنسية باريس، في اختبار حقيقي لمدى قدرة التعاون الدولي على الصمود في ظل حقبة تتسم بانعدام الثقة الجيوسياسية.
ويناقش أعضاء المكتب، البالغ عددهم 69 دولة تضم كبرى القوى العالمية والدول الصاعدة، تغييرات جذرية في آلية تتبع الوقت على كوكب الأرض وفي الفضاء الخارجي، وهي تعديلات تمتد تأثيراتها المباشرة لتشمل قطاعات حيوية، بدءاً من المعاملات المالية، ومساعي استعمار العوالم الأخرى. وكانت هذه الهيئة أُنشئت عام 1875 بهدف توحيد معايير القياس العالمية، بما في ذلك الكيلوغرام والمتر والثانية، وبالتالي ضبط التوقيت الموحد على كوكب الأرض.
ولقد أصبحت قضايا ضبط الوقت والملاحة ذات طابع سياسي بشكل متزايد، حيث أدى اعتماد العالم المتزايد على التكنولوجيا الرقمية إلى رفع تكلفة أي خلل قد يصيب هذين المجالين.
وقد كشفت حالات الانقطاع العارضة، إلى جانب أعمال التخريب في أوقات النزاعات العسكرية، عن الهشاشة الهيكلية للأنظمة الحالية، مثل نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» (GPS) الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، والذي يعتمد كلياً على أقمار اصطناعية تحمل على متنها ساعات ذرية شديدة الدقة.
وتشكل حالات تعطل أنظمة الملاحة وقياس الوقت تهديداً مباشراً للأنظمة الإلكترونية الحيوية التي تدير قطاعات الاتصالات والمعاملات المالية وتشغيل محطات توليد الطاقة، ما دفع الدول إلى تسريع البحث عن تقنيات أكثر دقة وأماناً لحماية بنيتها التحتية.
وفي هذا السياق، يبحث أعضاء المكتب الدولي للأوزان والمقاييس خطة لإلغاء «الثانية الكبيسة»، وهي تعديل زمني يطبق لمعالجة الفوارق الدقيقة بين التوقيت المحسوب عبر الساعات الذرية والتوقيت الفلكي الناتج عن دوران الأرض غير المنتظم نوعاً ما. وتعد «الثانية الكبيسة»، التي أضيفت 27 مرة منذ عام 1972، مصدراً للمتاعب، لأنها تتطلب إجراء تعديلات على جميع البنى التحتية المعتمدة على التوقيت الدقيق مع كل إضافة.
وقد تفاقمت المشكلة نظراً لأن الأرض أصبحت تدور بسرعة أكبر حول محورها منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحالي (2019-2010)، ويعود ذلك جزئياً إلى تغيرات في لب الأرض، ما يعني أنه قد يتعين في نهاية المطاف حذف ثانية كبيسة بدلاً من إضافتها.
وهذا التغيير غير المسبوق قد يربك الأنظمة التقنية والتطبيقات التي لم تصمم للتعامل مع خفض التوقيت. وعليه، فإن المقترح المطروح أمام أعضاء المكتب يتضمن استبدال «الثانية الكبيسة» بـ«ساعة كبيسة»، وهو تعديل قد يستغرق تراكمه 1000 عام أو أكثر، ما يعني عملياً عدم الحاجة لإجراء المزيد من تعديلات على أنظمة التوقيت لقرون مقبلة.
على صعيد آخر، يتناول أعضاء المكتب مناقشات موسعة لوضع توقيت معياري موحد للقمر، حيث يمر الوقت هناك بأسرع مما هو عليه على الأرض بمقدار 57 ميكروثانية يومياً، بفضل التأثيرات الناجمة عن الاختلاف في الجاذبية وكتلة الجرمين السماويين.
ولقد ازدادت الحاجة الملحة للاتفاق على توقيت قمري موحد في ظل السباق الجديد الذي لا يقتصر على مجرد زيارة القمر فحسب، بل يشمل استيطانه أيضاً؛ إذ تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى إنزال رواد فضاء على سطح القمر خلال السنوات القليلة المقبلة، مع وجود خطط بعيدة المدى لإنشاء قواعد قمرية.
كما تدرس دول وشركات، من بينها «سبيس إكس»، استكشاف آفاق عمليات التعدين على القمر لاستخراج المواد القيمة من سطحه.
ويعد التوقيت الموحد للقمر، وربما لكوكب المريخ لاحقاً، شرطاً أساسياً لأي وجود بشري مستدام خارج الحدود الأرضية. فهو يضمن بقاء إشارات شبكات الاتصالات القمرية ضمن النطاقات الترددية المخصصة لها وتجنب تداخلها مع بعضها.
كما تشكل معايير التوقيت القمري الموحد عصباً رئيساً لعمليات الملاحة الفضائية؛ إذ إن الفارق الزمني الحالي بين الأرض والقمر يكفي لقطع الموجات الضوئية المستخدمة في أنظمة الاتصالات مسافة تصل إلى 17 كيلومتراً. وعدم ضبط هذا الفارق بدقة قد يؤدي إلى كارثة محققة أثناء محاولات هبوط المركبات الفضائية أو تحديد مواقع رواد الفضاء على السطح.
وتاريخياً، لم تكن اجتماعات المكتب الدولي للأوزان والمقاييس ساحة للمواجهات السياسية المفتوحة على غرار ما شهدته الجمعية العامة للأمم المتحدة. واليوم، يبدو أن العالم في غنى عن أن يتغير هذا العرف التقني في ظل الظرف الدولي الراهن.

