تيج باريخ
تحظى الشركات الصغيرة بمكانة رفيعة وتقدير واسع النطاق في مختلف أنحاء العالم؛ إذ يواظب الساسة على اختلاف انتماءاتهم الحزبية والحرية الاقتصادية، من اليمين واليسار على حد سواء، على الإشادة بالشركات الناشئة الطموحة، باعتبارها الشريان الحيوي والمحرك الأساسي للاقتصاد.
كما لا يتوقف الخبراء الاقتصاديون عن الكشف عن مزايا تقديم الدعم والمساندة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
في المقابل تنامى التشكيك في دور المؤسسات والشركات العملاقة، وأصبحت تعامل كونها قوة يجب كبح جماحها والتضييق عليها، ووفقاً لاستطلاعات رأي أجرتها مؤسسة «جالوب»، تراجعت نسبة الأمريكيين الذين يحملون انطباعاً إيجابياً عن الشركات الكبرى من نحو 60 % أوائل العقد الماضي إلى ما يزيد قليلاً على الثلث في الوقت الراهن.
وأسهمت عوامل عدة في سخط الرأي العام وتراجع هذه النظرة، في مقدمتها اتساع فجوة التفاوت الاقتصادي، والفضائح المؤسسية، والمخاوف المتزايدة من تركز الأسواق، ورغم مشاعر العاطفة والدعم للمنشآت الصغيرة فإن الشركات الكبرى هي التي تضطلع بالجزء الأكبر من عبء دفع عجلة النمو الاقتصادي.
وأدت العولمة والتطورات التكنولوجية المتسارعة إلى تقليل التكلفة، ما أتاح للشركات النمو والتوسع لمستويات غير مسبوقة، وكشفت أبحاث شملت 10 اقتصادات في الدول المتقدمة والغنية على مدى أكثر من قرن أن المبيعات والأرباح ورؤوس الأموال أصبحت تتركز على نحو متزايد لدى كبريات الشركات داخل كل دولة.
ويشير هذا إلى أن صعود الشركات الكبرى ليس مجرد ظاهرة استثنائية يختص بها السوق الأمريكي وحده، والأهم من ذلك أن ديناميكية التبديل والإحلال المستمرة تعني أن الشركات التي كانت تهيمن في الماضي ليست نفسها التي تسيطر على المشهد حالياً.
علاوة على ذلك يكتسب حجم الشركة أهمية حيوية بالنسبة لمعدلات النمو الاقتصادي المحلي، وتظهر دراسة صادرة عن البنك الدولي أن الاقتصادات ذات الأداء العالي والمستدام تميل إلى الاستحواذ على حصة أكبر من التوظيف في شركات كبرى تنافسية.
في المقابل تعاني البلدان ذات الدخل المنخفض نقصاً حاداً في عدد الشركات الكبرى، وهو ما يعرف بظاهرة «القمة المفقودة»، حيث تنمو شركات تلك الدول بمعدلات بطيئة وضئيلة كلما تقادمت في العمر.
كما توصل البنك الدولي إلى أن حجم الشركات يدعم تقديم أجور أعلى، ومزايا أفضل، وبرامج تدريب متطورة، فضلاً عن رفع قدرة الشركات على التصدير واعتماد معايير الجودة الدولية.
وفي الدول الغنية يصل متوسط إنتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى ثلثي إنتاجية كبريات الشركات فقط. بناء على ذلك فإن التحسينات والكفاءة التشغيلية في أداء الشركات الكبرى تنعكس إيجاباً على الاقتصاد ككل، وتحدث تأثيراً مضاعفاً.
وبالفعل تشكل الشركات الكبرى المحركات الفاعلة للابتكار والتطوير، ففي عام 2024، استثمرت شركات «أمازون»، و«ألفابت»، و«مايكروسوفت»، و«ميتا»، و«أبل» 227 مليار دولار في البحث والتطوير، وتجاوز هذا الرقم الميزانية الفيدرالية الأمريكية المخصصة للبحث والتطوير غير الدفاعي، بل وفاق الإنفاق السنوي على البحث والتطوير لغالبية دول العالم.
وفقاً لمؤسسة «مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار»، كما تتيح الملاءة المالية والسيولة الضخمة للشركات الكبرى تمويل الأبحاث عالية التكلفة، وتحمل مخاطر الفشل، وإطلاق مشاريع ومبادرات قد لا تتحقق عوائدها الاستثمارية إلا بعد سنوات طويلة.
ولا تقف منافع الاستثمار في البحث والتطوير عند حدود هذه الشركات، بل تتعداها إلى المجتمع ككل، إذ تشير دراسة أجراها الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، وليام نوردهاوس، عام 2004، إلى أن المبتكرين والشركات لم يستحوذوا سوى على 2.2 % فقط من الفائض الاجتماعي والقيمة الاقتصادية الناجمة عن التقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة بين عامي 1948 و2001، بينما ذهبت باقي الفوائد والمنافع المباشرة للمستهلكين من خلال الحصول على منتجات أفضل، وبأسعار أقل.
وتدعم الأبحاث الحديثة الصادرة عن «معهد ماكينزي العالمي» الفكرة القائلة، إن الرخاء والنمو الاقتصادي يعتمدان على عدد محدود من الشركات الاستثنائية، التي تحقق قفزات نوعية وهيكلية، بدلاً من التحسينات التدريجية المحدودة الموزعة على ملايين الشركات الصغيرة.
وأظهر تحليل أجراه المعهد شمل نحو 8,300 شركة كبيرة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، أن أقل من 100 شركة من الفئة «المتميزة والاستثنائية» كانت مسؤولة عن نحو ثلثي إجمالي مكاسب الإنتاجية الإيجابية المحققة في كل دولة من هذه الدول بين عامي 2011 و2019.
وفي واقع الأمر فإن أغلبية الشركات «المتميزة» في عينة بحث «ماكينزي» هي من الشركات الكبرى الراسخة، التي تمكنت من تحقيق زيادة مستمرة في الإنتاجية عبر الزمن.
بينما بلغت نسبة الشركات السريعة النمو والتوسع نحو 20 % (مثل أبل وأمازون)، وحازت الشركات الناشئة الصغرى المبتكرة نسبة 10 %، ولا يعني أي من هذا أن كبر الحجم أفضلية مطلقّة في كل الأحوال.
فالضخامة في الحجم تجلب معها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً يمكن إساءة استغلاله عبر كبح المنافسين الجدد، أو الضغط على العمالة والموردين، أو توجيه القوانين والتشريعات لصالح الكيانات المهيمنة.
ومن ثم تقع على عاتق هيئات المنافسة والجهات التنظيمية مسؤولية دقيقة وحاسمة، للحفاظ على انفتاح الأسواق، واستمرار قابليتها للمنافسة، وضمان المضي قدماً في طريق التقدم التكنولوجي بأمان.
رغم ذلك يعامل الحجم الكبير في كثير من الأحيان، وعلى نحو خاطئ باعتباره دليلاً على إخفاق السوق، وتخاطر المحاولات المتعجلة لمعالجة هذا الجانب بتجاهل المنافع الاقتصادية الضخمة، التي يوفرها الحجم الكبير لتعزيز الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، وبناء المرونة الاقتصادية.
إن المنشآت الصغيرة تستحق التقدير العالي والدعم الذي تحظى به، فهي ميدان للتجريب، ومولد لفرص العمل، والحاضنة التي تنطلق منها الأفكار والشركات الاستثنائية.
لكن السياسات الاقتصادية الحكيمة ينبغي أن تركز على دعم النمو والتوسع وتعزيز المنافسة، مع إتاحة المجال للشركات الكبرى المتميزة للازدهار والاستمرار؛ ففي النهاية الشركات الصغيرة الأكثر إحداثاً للتغيير والتحول الاقتصادي لا تظل صغيرة.