جون بيرن - مردوخ
رغم أن أزمات الإسكان تنخر في هياكل غالبية الدول ذات الدخل المرتفع منذ نحو عقد أو يزيد، إلا أنها بقيت عموماً في مراتب متأخرة ضمن جدول الأعمال السياسي.
إلا أن هذا الوضع ربما يكون أوشك على التغير. إذ تشير التقارير إلى أن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، يدرس خيار الدعوة إلى انتخابات مبكرة، في محاولة لاحتواء السخط الشعبي والسياسي المتصاعد بسبب الارتفاع المتواصل في إيجارات وأسعار العقارات، وذلك عقب رفض البرلمان مشروع قانون الإسكان الرئيسي الذي تقدمت به حكومته.
وكانت الشرارة التي أججت الاحتجاجات الشعبية الحاشدة أخيراً تتصل بقضية ماريكارمن أباسكال، المسنة البالغة من العمر 87 عاماً، التي تلقت إخطاراً بالإخلاء بعدما اشترت إحدى الشركات العقارية الاستثمارية شقتها التي كانت خاضعة لضوابط السقف المالي للإيجارات، سعياً من الشركة لرفع الإيجار إلى مستويات تتجاوز بفارق كبير قيمة راتبها التقاعدي الشهري.
وتركز معظم الغضب الجماهيري على دور ما يعرف بـ «صناديق الطيور الجارحة» أو صناديق الاستثمار الانتهازية، في سوق تأجير العقارات. وقد اقترح حزب سانشيز منع كبار المستثمرين من شراء العقارات السكنية حتى عام 2028.
لكن إذا أراد صناع القرار والمستأجرون تحقيق تحسن مستدام وتجنب الآثار العكسية غير المقصودة، فإن الأمر يتطلب التراجع خطوة إلى الخلف لفحص جذور المشكلة التي تبدو في واقع الأمر أكثر عمقاً، سواء داخل إسبانيا أم خارج حدودها.
ولنتأمل هنا الحالات المماثلة التي شهدتها المملكة المتحدة وإيرلندا أخيراً، حيث خرج المتظاهرون احتجاجاً على عمليات الإخلاء.
والتي لم تكن صادرة في كثير من الأحيان عن شركات عقارية جشعة، بل عن المجالس المحلية التي سعت لإعادة توزيع العقارات المخصصة للإيجار المدعوم لمستأجرين جدد من ذوي الدخل المنخفض. وتحدث هذه الإجراءات عقب وفاة المستأجر الأصلي أو انتقاله، مع رفض أفراد عائلته إخلاء المسكن.
ومع أن التفاصيل الخاصة بكل حالة تختلف عن الأخرى، إلا أنها تصب جميعها في مجرى مشكلة واحدة: النقص الحاد في المعروض السكني. فالمالك، سواء أكان شركة استثمارية كبرى أم مستثمراً فردياً صغيراً، لا يرفع قيمة الإيجار إلا عندما يتيقن من وجود من هو مستعد لدفع السعر الأعلى.
وتوفر «حروب المزايدة» الناتجة عن شح المعروض بيئة خصبة لذلك. فالبيانات تشير إلى أن إسبانيا سجلت أدنى معدلات بناء المنازل للفرد مقارنة بأي دولة أخرى ذات دخل مرتفع خلال الأعوام العشرة الماضية، ما أدى لارتفاع نسبة الشباب الذين يعيشون مع آبائهم إلى أكثر من 50% حالياً، مقارنة بـ 33 % في عام 2005، في حين قفزت الإيجارات بمعدلات تعد الأعلى عالمياً.
والسبب الذي يدفع أبناء مستأجري الإسكان الاجتماعي في بريطانيا وإيرلندا إلى التشبث بالوحدات السكنية بعد انتهاء عقودها، هو السبب نفسه وراء طول قوائم الانتظار للحصول على تلك المنازل، وهو العجز الحاد في أعداد العقارات.
فالمملكة المتحدة وإيرلندا تفتقر كل منهما إلى نحو وحدة من بين كل سبع وحدات مطلوبة لتوفير السكن الملائم للسكان حالياً.
وتعاني إسبانيا من أزمة مزدوجة تطال جانبي العرض والطلب معاً؛ إذ تزامن أزمة بناء المنازل مع نمو سكاني متسارع ناتج بدرجة كبيرة عن جهود موجهة بذلتها حكومة سانشيز لتعزيز تدفقات الهجرة.
يضاف إلى ذلك الارتفاع الكبير في أعداد السياح و«الرحالة الرقميين»، الذين يعملون عن بُعد. ما جعل الإيجار في السوق يتقرر بناءً على مستويات دخل الزوار الميسورين لا على مستويات أجور السكان المحليين.
ورغم أن استقطاب العمالة والزوار ذوي الإنفاق العالي يمثل سياسة اقتصادية حصيفة، إلا أنه يتطلب بالتوازي نهجاً متكاملاً في جانب العرض والتوسع في بناء الوحدات السكنية، وهو ما يمكن تمويل جانب منه عن طريق زيادة الضرائب المفروضة على السياحة.
وحتى الآن، لا تتعدى المقترحات الحكومية سوى حزمة حلول مؤقتة تعالج بعض الأعراض دون المساس بالسبب الرئيسي؛ فتعزيز حماية المستأجرين الحاليين وفرض الحظر على الاستثمار لن يخففا ضغوط الإيجارات والأسعار الناجمة عن نقص المعروض.
كما لن يوفرا السكن لملايين الشباب الذين تعطلت مسارات حياتهم المهنية والشخصية بسب اضطرارهم للعيش تحت سقف واحد مع آبائهم.
وقد يكون من المفيد لإسبانيا الاقتداء بالتجربة الإيرلندية، حيث أقدم صناع السياسات في العام الماضي على تخفيف الضوابط المفروضة على الإيجارات، بعدما تبين أنها تسهم في ضعف حركة الإنشاءات الجديدة في قطاع التأجير، ما يفاقم الأسباب المباشرة للمشكلة بدلاً من علاجها.
إن علاج أزمات الإسكان يتجاوز مجرد الطروحات النظرية؛ فلو كانت معالجة التكاليف المتصاعدة والعجز المتزايد بالأمر السهل والمستدام، لما استمرت هذه الأزمة في إنهاك دول متعددة تتفاوت فيها البيئات الاقتصادية والسياسات المتبعة.
ولتحقيق أي نجاح دائم، يجب على صناع القرار تجاوز القواعد التنظيمية القاصرة التي تؤدي غالباً إلى نتائج عكسية، والتخلي عن الحمايات الانتقائية المقتصرة على من أسعفهم الحظ بالاستئجار المسبق، والتركيز بدلاً من ذلك على خوض الإصلاحات الأكثر تحدياً، والكفيلة بخفض الإيجارات والأسعار للجميع وعلى نحو دائم.