باربرا موينز
يشهد قطاع الأعمال والمصارف ومكاتب المحاماة المتخصصة في الاستحواذ عبر أوروبا تسابقاً كبيراً لإعادة صياغة طرق تقديم صفقات الاندماج والاستحواذ الكبرى أمام الجهات التنظيمية في التكتل.
ويبعث الاتحاد الأوروبي مؤشرات واضحة على فتحه الباب أمام اندماجات أكبر بين الشركات، بما يمنح الكيانات الأوروبية الحجم والسعة اللازمين لمنافسة المنافسين في الولايات المتحدة والصين.
واستجابة لهذه الإشارات، تعمل الشركات ومستشاروها الماليون والقانونيون على إبراز صفقاتها المقترحة بصفتها «حالات اختبار» لهذا النهج التنظيمي الجديد، مراهنين على أن حجج بناء «عمالقة صناعيين في أوروبا»، وتعزيز المرونة الاقتصادية، وتحفيز الاستثمارات، ستساعد في نيل الموافقات التنظيمية.
ومن المتوقع أن توفر صفقات مرتقبة وحساسة عدة في قطاعات تتنوع بين التعدين والمصاعد، إضافة إلى صفقة دمج أنشطة الأقمار الاصطناعية بين «إيرباص» و«ثاليس» و«ليوناردو»، المؤشرات الأولى خلال الأشهر المقبلة حول ما إذا كانت هذه النبرة الجديدة ستترجم إلى مرونة عملية أكبر تجاه التكتل والاندماج.
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، قد شددت على أهمية تأسيس شركات أوروبية عملاقة، واعتبرت سياسة مكافحة الاحتكار والمنافسة جزءاً أساسياً من أجندة التنافسية للتكتل. في المقابل، أوضحت مسؤولة سياسة المنافسة في المفوضية، تيريزا ريبيرا، صراحة أن التوجه الجديد لا يعني منح «شيك على بياض» لعمليات الاندماج والتكتل.
وأمام هذا التباين في السياسات داخل المفوضية، يقف قطاع الأعمال أمام سؤال جوهري: ما الحجم الحقيقي للتغيير الذي سيتحقق على أرض الواقع؟
وفي هذا الصدد، قال رفيق باشور، من مكتب المحاماة «سكادن آربس»: «يحتاج المستثمرون والشركات إلى رؤية مجموعة متماسكة من السوابق التنظيمية التي توضح كيفية عمل هذا الإطار عملياً. ويتعين على الشركات ومستشاريها التفاعل بشكل إيجابي مع المفوضية الأوروبية للوصول إلى هذا الهدف».
ولما كانت هذه السوابق لم تتشكل بعد في بروكسل، يقول أحد محامي الاندماج والاستحواذ المقيمين هناك: «ستُصاغ كل صفقة كبرى وتُقدم بأسلوب مختلف بصفتها حالة اختبار لتأسيس عملاق أوروبي جديد».
ولا تغيب الخيارات المرشحة لخوض هذه التجربة؛ إذ أثار المشروع المشترك المقترح بين شركتي إنتاج الورق «يو بي إم» (UPM) و«سابي» (Sappi) مخاوف المفوضية من تقييد المنافسة في الأسواق وتزويد الشركتين بالقدرة على رفع الأسعار. غير أن الشركتين تؤكدان أن الصفقة هي الخيار الوحيد للحفاظ على القدرة التنافسية وضمان أمن الإمدادات في صناعة متراجعة.
كما يعد اعتزام شركة «أنغلو أمريكان» بيع أصولها من النيكل في البرازيل لشركة «إم إم جي» (MMG) المدعومة من الصين اختباراً لمدى التزام بروكسل بسياساتها الأكثر حزماً تجاه التنافس مع الصين، حيث تلبي الصفقة معايير المرونة الاقتصادية وأمن التوريد.
وفي القطاع الصناعي أيضاً، تسعى شركة المصاعد الفنلندية «كوني» (Kone) لشراء منافستها «تي كيه إيليفايتور» (TK Elevator)، وهي صفقة كانت تصنف وفق المنظور التقليدي لمكافحة الاحتكار بصفتها معركة شاقة ومعقدة. وسيراقب صناع الصفقات عن كثب ما إذا كان مسؤولو المنافسة الأوروبيون سينظرون إليها من منظور جديد هذه المرة.
غير أن الاختبار الأكثر وضوحاً للفلسفة الجديدة في بروكسل يتبلور في قطاع الفضاء؛ حيث تسعى شركات «إيرباص» و«ليوناردو» و«ثاليس» إلى دمج أعمالها في مجال الأقمار الاصطناعية في كيان مشترك يهدف إلى خلق منافس أوروبي قادر على مواجهة شركة «سبايس إكس» المملوكة لإيلون ماسك. وفي مقابل ذلك، يحذر المنافسون من أن الصفقة ستضعف المنافسة، وتؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة التكاليف على دافعي الضرائب.
ويرى محامٍ آخر أن المزيج بين سياسات الاندماج التقليدية والسياسة الصناعية والتنافس الجيوسياسي يجعل هذا المشروع المشترك، المعروف باسم «مشروع برومو» (Project Bromo)، «حالة الاختبار الأوضح والخيار البديهي للجميع».
وفي تصريحات علنية غير مألوفة بشأن مكافحة الاحتكار، أشارت فون دير لاين في كلمة ألقتها أخيراً إلى مشروع «برومو»، قائلة: «هذا هو نوع العمالقة الصناعيين الذين نحتاج إليهم إذا أرادت أوروبا قيادة اقتصاد الفضاء في المستقبل».
وعلى الفور، دافعت مفوضة المنافسة الإسبانية تيريزا ريبيرا عن استقلالية مسؤولي مكافحة الاحتكار الأوروبيين الذين يشعر بعضهم بالقلق من التغيرات السياسية الجديدة. وأوضحت ريبيرا أن تصريحات فون دير لاين لا تعني «أننا لن نطبق القوانين والتنظيمات الخاصة بنا».
ويرى خبراء في قوانين المنافسة أنه كان يجدر بفون دير لاين إرسال توجيهاتها السياسية بنبرة أكثر دقة وحذراً. لكن بالنسبة للشركات وأسواق الصفقات، فإن الحصول على قدر أكبر من الوضوح يبدو أمراً مرحباً به.
ويعترف مسؤولو المفوضية الأوروبية بهذا التحدي، مدركين أن الملفات المعروضة على طاولتهم تخضع لمراقبة حثيثة؛ إذ قال أحدهم: «نحتاج إلى صفقة واحدة تثبت جديتنا في تطبيق هذا التحول».

