كيف تهرب من مصيدة الوظائف متدنية الأجور؟

‏

سانغهون لي- كبير الاقتصاديين في منظمة العمل الدولية

أصبح الانفصام بين النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل حقيقة معترفاً بها على نطاق واسع؛ ففي حالات كثيرة عجزت عمليات التحول الهيكلي عن إيجاد فرص عمل كافية، خصوصاً لفئة الشباب في البلدان النامية مثل رواندا وإثيوبيا، الذين يواجهون مشقة كبيرة في ترسيخ أقدامهم داخل سوق العمل.

ولا تقتصر المشكلة على شح الفرص المتاحة، بل تمتد إلى تدني جودة معظمها؛ إذ يغلب عليها الطابع غير الرسمي، وتفتقر إلى الحماية الاجتماعية، وتتسم بانخفاض الإنتاجية والأجور، مع إتاحة فرص ضئيلة للتعلم والارتقاء المهني.

ويشغل نحو 2.1 مليار عامل، أي ما يقارب 58 % من القوى العاملة العالمية، وظائف غير رسمية، وما يدعو إلى القلق بدرجة أكبر أن الدراسات تشير إلى توقف التراجع التدريجي في حجم العمالة غير الرسمية، وهو التراجع الذي كان يرافق النمو الاقتصادي عادة، خلال السنوات الأخيرة.

وسائد اعتقاد شائع بأنه عند شح الوظائف يجب على الدول الاختيار بين زيادة أعداد الفرص أو تحسين جودتها، والحجة هي أن جودة العمل يمكن إرجاؤها إلى مرحلة لاحقة، إلا أن هذا الطرح يخلط بين مقتضيات الحاجة العاجلة قصيرة الأجل وبين الاستراتيجيات التنموية السليمة، وصحيح أن الوظائف متدنية الجودة قد تستوعب الفائض من العمالة، إلا أنها تسهم أيضاً في إضعاف المهارات والإنتاجية ومستويات الطلب والمرونة الاقتصادية، وبذلك تؤدي إلى تقويض القدرة الأساسية للاقتصاد على توليد فرص عمل أكثر وأفضل جودة في المستقبل.

وتتضح هذه الديناميكية غير المفهومة بالشكل الكافي بأوضح صورها في قطاعي التعليم والتدريب، فالتحول الاقتصادي يتطلب من العمال مواصلة تطوير قدراتهم ومهاراتهم، غير أن إقبالهم على التطور يزداد حين تُكافَأ المهارات الجديدة بأجور أفضل، وأمان وظيفي أكبر، وآفاق أوسع للترقي.

وعندما تضعف هذه الرابطة يقل حافز العمال للاستثمار في التدريب، وتتراجع الضغوط على الشركات للتطوير والارتقاء، ما يهدد بوقوع الاقتصاد في فخ المنافسة القائمة على الإنتاجية المنخفضة.

وتتضاعف خطورة هذه المشكلة لدى الشباب بوجه خاص، إذ تسهم وظائفهم الأولى في تحديد مستويات دخلهم، فضلاً عن رسم تطلعاتهم وتنمية قدراتهم، وتعزيز ثقتهم بالمستقبل.

وتأتي تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة لتزيد المشكلة إلحاحاً؛ فبدون توفير وظائف أفضل تمكن العمال من التعلم والتكيف والمشاركة في عوائد الإنتاجية قد تنتهي الطفرات التكنولوجية إلى تعميق الفجوات التنموية القائمة، وعلى النحو ذاته فإن توفير الحماية للعمال ضد مخاطر الصحة وتذبذب الدخل يتيح لهم التعامل بكفاءة أكبر مع الصدمات والاستمرار في سوق العمل، ومن ثم هناك جدوى اقتصادية للاستثمار في رفع جودة الوظائف عبر تنمية المهارات، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية، وذلك ضمن استراتيجيات تهدف إلى تفادي مصيدة الوظائف منخفضة الأجور والمهارات والإنتاجية.

علاوة على ذلك تحقق الوظائف اللائقة قيمة اجتماعية، وغير مالية معتبرة للعمال وأسرهم ومجتمعاتهم؛ فهي تسهم في صقل الهوية الشخصية، وتعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الصحة والتعليم، وبناء الثقة، وفي المقابل تفرض الوظائف متدنية الجودة تكاليف اجتماعية خفية وواسعة النطاق، ولما كانت قوى السوق لا تستوعب دائماً جميع العوائد الإيجابية الجانبية الناجمة عن التوظيف عالي الجودة فإن هذه المهمة تقع بالضرورة على عاتق صناع السياسات.

ويتقاطع هذا المفهوم مع رؤية العالم الاقتصادي الهندي، أمارتيا صن، الذي يعرف التنمية بأنها توسيع للحريات والقدرات الفعلية للبشر، فالعمل يكتسب أهميته الجوهرية من قدرته على تعزيز، أو تقييد، قدرة الأفراد على التخطيط والتعلم والمشاركة والتقدم، ولا يمكن تنمية هذه القدرات إلا عبر استثمار منهجي ومستدام في تحسين جودة الوظائف.

ومن هذا المنطلق يمثل الاهتمام المتجدد بقضايا التشغيل لدى المؤسسات المالية الدولية، مثل أجندة الوظائف الخاصة بالبنك الدولي، فرصة حقيقية يجب استغلالها، إلا أن هذا التوجه لا ينبغي أن يقف عند مجرد الإحصاء العددي للفرص؛ إذ يجب على مؤسسات تمويل التنمية طرح أسئلة أكثر دقة وحسماً: هل تسهم الوظائف المدعومة في زيادة الإنتاجية، وتحسين الأجور والآفاق المستقبلية، وتطوير المهارات، وتعزيز صوت العمال، وتحقيق عوائد اجتماعية ملموسة في نهاية المطاف؟

إن سياسات التنمية يجب أن تبنى على إمكانات حقيقية للتقدم والارتقاء، لا على دوافع الاضطرار واليأس، فاستمرار الاعتماد على الوظائف متدنية الجودة سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى تقويض العملية التنموية، التي يعتمد عليها النمو الاقتصادي المستقبلي برمتها.