سارة أوكونور
نادراً ما يطلق أحدهم توقعاً يبدو لك خاطئاً تماماً، وفي الوقت نفسه مفيداً للغاية.
هذا ما حدث بالضبط عندما صرح مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت»، لصحيفة «فايننشال تايمز» بأنه «ستتم أتمتة معظم الأعمال المكتبية والتنفيذية التي تتطلب الجلوس أمام شاشة الحاسوب، سواء للعمل كمحامٍ أم محاسب أم مدير مشاريع أم مسؤول تسويق، بوساطة الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الاثني عشر إلى الثمانية عشر المقبلة».
ولم يكن واضحاً ما إذا كان يقصد أن الذكاء الاصطناعي سيلغي هذه الوظائف بالفعل خلال هذه الفترة الزمنية، أم أنه سيكون قادراً على ذلك فحسب. وفي الحالتين، تكشف مثل هذه التوقعات الجريئة عن عدم إدراك مهام وظائف الآخرين عملياً.
ورغم أن القادة والمسؤولين والتنفيذيين في قطاع التكنولوجيا هم الأكثر عرضة للوقوع في هذا الخطأ، فإننا جميعاً نقع فيه بدرجة ما. وهو ما يفسر إشارة المشاركين في استطلاعات الرأي غالباً إلى أن الذكاء الاصطناعي يستطيع استبدال الكثير من الوظائف، لكنه لن يطال وظائفهم هم بالتحديد.
والحقيقة هي أن معظم الوظائف المكتبية لا تقتصر على «الجلوس أمام الحاسوب»؛ فالأمر يتجاوز ذلك ليشمل مهام متنوعة، بدءاً من حضور المحامين لجلسات المحكمة ووصولاً إلى قيام مديري المشاريع بزيارات ميدانية لمواقع العمل.
أضف إلى ذلك الاجتماعات، سواء داخلية أم خارجية. فقد كشفت دراسة حديثة أجريت على الموظفين في النرويج أن الاجتماعات تستهلك في المتوسط 12% من ساعات العمل، وتستحوذ على 14% من إجمالي فاتورة الأجور في الشركات.
قد يرى البعض أن معظم الاجتماعات ليست سوى نشاط شكلي لا فائدة منه، لكن إن كان الأمر كذلك، فمن الغريب أن الشركات الأكثر نجاحاً هي التي تعقد اجتماعات أكثر من غيرها. فقد وجد معدو الدراسة النرويجية أن أنشطة التخطيط، وحل المشكلات، وتبادل المعلومات، وتنسيق المشاريع، تمثل الجزء الأكبر من الاجتماعات.
كما أظهرت الدراسة أن الشركات ذات الإيرادات والأجور العالية تخصص موارد أكبر للاجتماعات، وأن هناك علاقة إيجابية بين عدد الاجتماعات وتكرارها من جهة، ونمو أجور الموظفين من جهة أخرى.
واختتم الباحثون دراستهم بمقارنة طريفة؛ إذ شبهوا الاجتماعات بنبات «البروكلي»: «يرفضها الجميع على نطاق واسع، لكنها مفيدة للصحة المؤسسية على أي حال».
بالتالي، ليس من الواضح إذا كان وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرين على إلغاء الحاجة إلى هذا النوع من العمل؛ إذ ينطوي هذا العمل على الإقناع، والنقاش والجدال، وتبادل المعرفة الضمنية والخبرات الموزعة بين أقسام مختلفة، والتي غالباً ما تكون حبيسة عقول الموظفين بدلاً من أن تكون مدونة بوضوح في دليل إرشادي منظم على الشبكة الداخلية للشركة.
بل إن قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز بعض أشكال الإنتاج ومضاعفتها قد تخلق حاجة أكبر لأعمال التنسيق واتخاذ القرارات.
وقد كتبت سابقاً عن مجال تطوير البرمجيات، حيث زاد الطلب على الأشخاص الذين يمتلكون مهارات التنسيق والربط بين وكلاء الذكاء الاصطناعي والرؤية الشاملة للمشروع دون الضياع في التفاصيل.
وفي السياق نفسه، أظهر تحليل أجري بوساطة شبكة «بي دبليو سي» لمليار إعلان توظيف عبر ست قارات، أن أصحاب العمل في الوظائف المبتدئة الأكثر عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي يتطلعون بشكل متزايد إلى مهارات مثل الإدارة، والتخطيط الاستراتيجي، والعمل الجماعي، بالتوازي مع ارتفاع الطلب على التواجد والتفاعل الشخصي المباشر.
ونأمل ألا يعني هذا أن الموظف المكتبي في المستقبل سيمضي يومه متنقلاً من اجتماع إلى آخر لمجرد الجدل حول المخرجات التي أنتجها الذكاء الاصطناعي. وأعتقد أن الحاجة ستظل قائمة للخبراء البشريين لإنجاز الأعمال القائمة على الحاسوب.
ولكن بقدر ما نرى أنفسنا في منافسة مع الذكاء الاصطناعي، فإن الاستراتيجية الأفضل بلا شك هي إضفاء قيمة مضافة على أعمالنا الحاسوبية تعجز نماذج اللغات الكبيرة عن تقديمها.
فنحن، في نهاية المطاف، نستطيع الابتعاد عن الشاشات، والتفاعل مع العالم الواقعي الملموس، وبناء العلاقات واستدامتها، والوصول إلى معلومات لا وجود لها على شبكة الإنترنت.
وهذا يتطلب منا التخلي عن بعض العادات التي اكتسبناها في العقود الأخيرة تحت شعار «زيادة الإنتاجية وإنجاز المزيد من المهام»؛ مثل المكالمة الهاتفية التي ألغت الحاجة إلى اللقاء المباشر، والبريد الإلكتروني الذي أغنى عن الاتصال.
ولعلني أميل إلى تقديم هذه النصيحة بحكم طبيعة عملي الصحفي التي طالما كافأت الابتعاد عن شاشة الحاسوب؛ فمنذ أقدم الأوقات، يوجه المحررون النصح للمراسلين الصحفيين بقولهم: «إذا كنت تجلس أمام مكتبك طوال اليوم، فأنت لا تؤدي عملك كما ينبغي». ولكن بدرجة ما، يصح هذا القول أيضاً على العديد من الوظائف المهنية الأخرى، وسيزداد صحة بمرور الوقت.
وهذا يعيدنا مجدداً إلى توقعات مصطفى سليمان. ورغم أنني لا أثق كثيراً بمؤشرات وتقييمات «مستوى التعرض» للذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك معياراً شخصياً مفيداً تجدر مراقبته دائماً وهو: «ما النسبة التي أمضيتها من يومي ملاصقاً لشاشة حاسوبي؟».
لذلك، ابتعد عن أصحاب العمل الذين يخلطون بين «مجرد التواجد على الكراسي» وبين الإنتاجية الحقيقية، خصوصاً أولئك الذين يراقبون نسبة التواجد المكتبي، وحركات الفأرة، ونقرات لوحة المفاتيح.
واستبدل بتناول شطيرة «بريت» السريعة أمام شاشتك، وجبة غداء تجمعك بمصدر معلومات أو زميل عمل. وتوقف عن التذمر من كثرة الاجتماعات التي تحضرها، فلعلها الحصن المنيع الذي يحمي وظيفتك من الروبوتات.