تمويل الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أسواق الدين العالمية

إيوان هيلي- إميلي هربرت- ميشيل تشان
يقوم عمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي» بمسح أسواق المال العالمية بحثاً عن السيولة لتمويل توسعاتهم الضخمة، في تحرك يعيد تشكيل الواقع الاقتصادي وسلوكيات الاقتراض، في تحرك يغير معالم الاقتصاد وسلوكيات الاقتراض الدولية.

وتستعد أسواق السندات الأوروبية لاستقبال شركة «ميتا» للمرة الأولى هذا الخريف لجمع تمويلات مخصصة لتوسعات الذكاء الاصطناعي، لتكون أحدث محطة في رحلة القطاع القياسية لجمع الأموال من أي مكان وكل مكان.

وقال جريج بيترز، الرئيس التنفيذي المشارك في «بي جي آي إم» لإدارة الأصول: «إن حجم الديون تاريخي بكل المقاييس، والأرقام ضخمة وتحدث تحولاً جذرياً في المشهد».

تحدث هذه الشراهة التمويلية تغييراً في كيفية اقتراض الأموال عالمياً، وتؤثر في أماكن وأوقات وتكلفة إصدار الدين للشركات والحكومات.

وأصبحت العديد من الشركات تضطر للتنسيق الحذر وتوقيت إصداراتها لتجنب التصادم مع الإصدارات المليارية لعملاقة التكنولوجيا، مع اللجوء للاقتراض لآجال أقصر تفادياً للمنافسة.

ولم تسلم المؤسسات الكبرى من هذا التأثير؛ إذ يرى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، ووزير الخزينة الأمريكي سكوت بيسنت، أن شركات التكنولوجيا تزاحم سوق سندات الخزانة الأمريكية، البالغ حجمها 31 تريليون دولار، على رؤوس الأموال، رغم ارتفاع عوائد سندات الـ 10 سنوات لأعلى مستوياتها منذ 2007.

كما عبر خبراء البنك المركزي الأوروبي عن قلقهم من أن ارتفاع اقتراض شركات التكنولوجيا قد يصعب وصول باقي القطاعات إلى التمويل.

وحطمت القروض الأرقام القياسية؛ إذ جمعت «سوفت بنك» اليابانية أخيراً أكثر من 11 مليار دولار عبر أكبر إصدار لسندات عالية العائد في التاريخ لتمويل استثمارها في «أوبن إيه آي».

وبحسب «جولدمان ساكس»، قدم المستثمرون نحو 500 مليار دولار لشركات الذكاء الاصطناعي منذ بداية العام.

واستحوذت الشركات الخمس الكبرى، أمازون، ألفابت، ميتا، مايكروسوفت، وأوراكل، على 200 مليار دولار منها، وسط توقعات بطلبها ديوناً تتجاوز تريليون دولار خلال السنوات المقبلة لتمويل البنية التحتية.

وتسبب هذا الطلب الضخم في خلق أسواق ائتمان قادرة على استيعاب إصدارات قياسية، لكنه أدى إلى تشويه آلية التسعير؛ إذ باتت السندات ذات التصنيف المرتفع تتداول أحياناً بخصم (عائد أعلى) مقارنة بإصدارات أقل جودة بسبب الفائض المفاجئ في المعروض.

وترتب على ذلك مخاطر جديدة؛ فمصنعو الرقائق ومصممو مراكز البيانات ومزودو الطاقة يتعاملون جميعاً مع أسواق الائتمان ويقرضون بعضهم البعض، ما يعقد مهمة صناديق التقاعد وشركات التأمين في تقييم انكشافها الحقيقي.

وحذر سكوت شولتي من بنك «باركليز» من أن «المنظومة مترابطة بشكل وثيق، وطالما الأمور تسير بانتظام فالوضع جيد، لكن ظهور مشكلة في أي طرف سيؤثر على الجميع».

ورفعت «جوجل»، و«أمازون»، و«مايكروسوفت»، و«ميتا» توقعات إنفاقها الرأسمالي هذا العام إلى 745 مليار دولار. وأوضح لطفي كاروي من «بيمكو» أن إعادة تسعير سندات عمالقة التكنولوجيا لتصل إلى مستويات قريبة من السندات عالية المخاطر يعود إلى عدم استقرار جدول الإصدارات والإنفاق.

وأشار أندي تشورلتون من «إم أند جي» إلى أن الأسواق تتعامل حالياً وكأن هناك سوقين للائتمان: شركات الذكاء الاصطناعي والبقية، متوقعاً أن يمتد ارتفاع التكاليف لاحقاً إلى جميع الشركات المرموقة.

ودفعت ضخامة القروض إلى تجاوز السوق الأمريكية والاتجاه إلى الأسواق العالمية؛ فباعت «أمازون» ديوناً بـ 14 مليار دولار كندي محطمة الرقم القياسي السابق لـ «ألفابت» (8.5 مليارات). كما أصدرت «ألفابت» سندات بقيمة 5.5 مليارات دولار أسترالي، وجمعت 3.1 مليارات فرنك سويسري، إضافة إلى 5.5 مليارات جنيه استرليني تضمنت سندات نادرة لأجل 100 عام.

وتأتي هذه الطفرة في وقت حساس تتصاعد فيه تكاليف الاقتراض الحكومي في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا. وقالت ماريون لو مورهيديك من «فيديلتي إنترناشيونال»: إن ديون التكنولوجيا باتت تنافس السندات الحكومية بشكل مباشر، حيث تقدم نماذج ائتمانية جذابة في وقت يقل فيه تسامح المستثمرين مع العجز الحكومي.

وأشار ماتيو هورنباخ من «مورجان ستانلي» إلى أن جزءاً من عمليات بيع سندات الخزانة الأمريكية يعود لتحوط المتعاملين الرئيسيين من انكشافهم على ديون التكنولوجيا. وأوضحت هنرييتا باكومنت من «أولسبرينج» أن الدول بدأت بالفعل تتجنب توقيت طرح مزادات ديونها في الفترات التي تشهد إصدارات ضخمة للذكاء الاصطناعي.

سيناريوهات التعثر

ومع تزايد ثقل القطاع، تتضاعف المخاطر عند حدوث أي انكماش؛ خصوصاً مع لجوء شركات مثل «كور ويف» إلى سوق السندات عالية المخاطر.

وحذر تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في «أبولو»، من أن القيمة الائتمانية لشركات الحوسبة الفائقة تقوم على فرضية تضاعف التدفقات النقدية التشغيلية ثلاث مرات من 600 مليار إلى تريليوني دولار، مؤكداً أنه «إذا لم يتحقق ذلك، ستتسع الفروق الائتمانية وتتوقف خطط الإنفاق الرأسمالي ويتباطأ نمو الاقتصاد الأمريكي».

ومع تزايد التحديات الشعبية ضد مراكز البيانات المجهدة للطاقة، والحديث عن تباطؤ تطوير بعض نماذج الذكاء الاصطناعي، يرى لوكاس باينز من «فانغارد» أن السندات الجديدة أصبحت مرتبطة بالدورة الاستثمارية ذاتها التي تقود عوائد الأسهم، ما يعني تضاؤل الملاذات الآمنة أمام المستثمرين للهروب من التبعات المالية المحتملة.