شيلا بير-الرئيسة السابقة للمؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع في الولايات المتحدة
وقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هذا الشهر برفع تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل بمقدار 0.25 نقطة مئوية يخدم بالفعل المصالح العليا للأسر الأمريكية التي تكابد الارتفاع المتواصل في الأسعار.
وقد وجه هذا القرار إشارة حاسمة تؤكد أن البنك المركزي الأمريكي سيستخدم الأدوات المتاحة لديه لكبح تكاليف المعيشة، التي أصبحت القضية الاقتصادية الأولى التي تشغل بال العائلات الأمريكية في الوقت الراهن.
فزيادة ربع نقطة مئوية على أسعار فائدة بطاقات الائتمان لا تشكل فارقاً كبيراً في وقت تتجاوز فيه تكلفة تعبئة وقود السيارة 200 دولار شهرياً، وتتعدى مصاريف إطعام الأسرة 1000 دولار.
ومن خلال قرار الفائدة الصادر في سبتمبر، يصحح الفيدرالي الأمريكي أخطاءه وتقديراته السابقة.
ففي عام 2022 تريث البنك كثيراً وتردد في رفع الفائدة رغم التضخم المستمر، وفي عام 2024 تسرع في خفضها رغم أن التضخم كان لا يزال أعلى من المستهدف.
وكانت النتيجة أن التضخم قفز ليصل إلى 9% في عام 2022 قبل أن تتمكن الزيادات السريعة في الفائدة من كبحه في النهاية، ليعود ويستأنف صعوده مجدداً عندما اتجه الفيدرالي إلى الخفض المبكر في عام 2024.
ففي سبتمبر 2024، ومع وصول الاقتصاد الأمريكي إلى مستوى التوظيف الكامل وتراجع التضخم، خفض الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية دفعة واحدة، أتبعها بتخفيضين آخرين بقيمة ربع نقطة مئوية لكل منهما في العام نفسه.
ونتيجة لذلك، عاد التضخم للارتفاع تدريجياً، إذ ارتفع المؤشر الرئيسي للتضخم من 2.4% في سبتمبر إلى 3% بحلول يناير 2025. وخلال الفترة نفسها، ارتفع العائد على سندات الخزينة الأمريكية لأجل 10 سنوات من أدنى مستوى له عند 3.6% ليصل إلى 4.6%.
وتتأثر عوائد هذه السندات بعوامل عدة، غير أن توقعات المستثمرين بشأن التضخم تلعب الدور الأكبر في هذا الاتجاه؛ حيث أدى نهج التيسير النقدي للفيدرالي حينها إلى تفاقم مخاوف المستثمرين من التضخم.
وتكرر السيناريو نفسه في سبتمبر 2025؛ فعندما خفض الفيدرالي الفائدة، ارتفعت عوائد السندات لأجل 10 سنوات.
وكما كان متوقعاً، فعندما ارتفعت هذه العوائد في عام 2024، ارتفعت معها أسعار فائدة الرهن العقاري لمدة 30 عاماً، كما شهدت أسعار فائدة قروض السيارات ارتفاعاً طفيفاً.
أما متوسط أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان فقد انخفض، ولكن بنحو نصف نقطة مئوية فقط.
إذ تشهد المؤسسات المالية الكبرى تراجعاً سريعاً في تكاليف اقتراضها مع ارتفاع قيمة أصولها.
أما انخفاض تكاليف الاقتراض فلا ينتقل إلى الأسر متوسطة ومحدودة الدخل إلا ببطء شديد، هذا إن وصل إليها من الأساس، بل إن بعض تكاليف الاقتراض لهذه الأسر قد ترتفع كما حدث عام 2024.
ولأن هذه الأسر لا تمتلك أصولاً مالية، فإنها لا تجني أي فائدة عندما يؤدي خفض الفائدة إلى رفع تقييمات الأصول، في حين تنخفض العوائد الضئيلة التي تحصل عليها لقاء وديعتها في البنوك.
ويتضح ذلك بالنظر إلى ما حدث خلال السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، عندما أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة عند مستويات شديدة الانخفاض لمده 14 عاماً، بناءً على النظرية التقليدية القائلة إن ذلك يساعد الاقتصاد الحقيقي على التعافي من تلك الكارثة الاقتصادية.
لكن النتائج أظهرت أن الاستفادة اقتصرت على أغنى 1% من الأسر التي استعادت ثرواتها المفقودة بالكامل بحلول عام 2011، بينما استغرق تعافي شريحة الـ 50% الأدنى دخلاً حتى منتصف عقد العشرينيات لتحقيق النتيجة نفسها.
وبطبيعة الحال، تخضع هذه العوائد لضغوط من مصادر متعددة، كما أن كثيراً من محركات التضخم، سواء الإيجابية منها مثل النمو القوي، أم السلبية مثل اضطرابات إمدادات الطاقة والتعريفات الجمركية وعجز الموازنة، تقع خارج نطاق السيطرة المباشرة للبنك المركزي.
إلا أن الزيادات التدريجية في تكاليف الاقتراض يمكن أن تسهم في معالجة الاختلالات بين العرض والطلب، في حين إن تحفيز الطلب من خلال خفض الفائدة سيزيد حدة هذه الاختلالات.
ولا شك أن شركات الملكية الخاصة وغيرها من النخب المالية التي تعتمد أعمالها على التقييمات المرتفعة للأصول والاقتراض الضخم ستتحمل العبء الأكبر لارتفاع أسعار الفائدة.
غير أنه للمرة الأولى، تغلبت مصالح الشارع والاقتصاد الحقيقي على المطالبات المتواصلة من أسواق المال في وول ستريت للحصول على ائتمان أرخص.

