تآكل العقد الضمني بين الشركات المساهمة والمستثمرين

نيكولاي تانغن-المدير التنفيذي لـ «صندوق الثروة النرويجي»

عندما تشتري سهماً في أي شركة، فإنك تدخل عملياً في عقد ضمني؛ فأنت تقبل المخاطرة وتقبل بالتقلبات السعرية صعوداً وهبوطاً، مقابل الحصول على حزمة محددة من الحقوق الأساسية.

وتتضمن هذه الحقوق التصويت على القرارات الجوهرية، والحصول على بيانات ومعلومات موثوقة عن أداء الشركة، والحصول على حصة عادلة من الثروة والقيمة المنتجة، إضافة إلى امتلاك السبل القانونية الكفيلة بحماية هذه الحقوق واستردادها حال إهدارها.

هكذا كانت القواعد المستقرة لأسواق المال، غير أن هذا العقد الضمني يتعرض اليوم لإعادة كتابة وصياغة جديدة، ليس في سوق واحدة، بل عبر أقاليم عدة تتدفق فيها رؤوس الأموال في آسيا وأوروبا والأمريكتين.

وتظهر أحدث بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادرة العام الماضي أن نحو 60 % من البيئات التشريعية والتنظيمية حول العالم أصبحت تسمح بإصدار أسهم بآليات تصويت غير متساوية، مقارنة بنحو 44 % فقط في عام 2020.

وفي الولايات المتحدة، بلغت نسبة الشركات الجديدة التي طرحت أسهمها بفئات متعددة الحقوق نحو 36 % من إجمالي الطروحات الأولية خلال النصف الأول من عام 2026، وهي أعلى نسبة مسجلة منذ أن بدأ «مجلس المستثمرين المؤسسيين» ملاحقة ورصد هذه البيانات في عام 2017.

وبصفتنا مستثمراً طويل الأجل يمتلك حصصاً في أكثر من 7000 شركة مدرجة حول العالم، فإن هذه التطورات تثير قلقنا إلى حد كبير.

وقد يتساءل البعض عن سبب هذا الاهتمام البالغ. والجواب هو أن التمسك بحقوق حوكمة قوية للمساهمين يمثل خياراً مربحاً، ليس لنا فحسب، بل لأسواق المال ككل.

وتؤكد الدراسات الاقتصادية أن الحماية القوية لحقوق المساهمين تقترن دائماً بأسواق أكثر عمقاً وسيولة، وتتيح نفاذاً أوسع لخيارات التمويل.

وفي المقابل، يؤدي إضعاف هذه الحقوق إلى زيادة تكلفة رأس المال، في حين تسجل الشركات التي تمنح مساهميها ضمانات وحماية أكبر تقييمات سوقية أعلى تاريخياً.

علاوة على ذلك، تبني هذه الحقوق جسور الثقة، التي تشكل الركيزة الأساسية لاستبقاء رؤوس الأموال طويلة الأجل واستقرارها داخل الأسواق عندما تتجه السيولة السريعة وقصيرة الأجل نحو الخروج.

ونظراً لأننا نملك حصصاً في غالبية الشركات المدرجة عبر مختلف الأسواق العالمية، فلا يمكننا ببساطة التخطي أو التخفيض السريع لاستثماراتنا وتصفيتها.

ومن ثم فإن نجاح هذه الشركات يعني نجاح استثماراتنا مباشرة. وتتقاطع هذه المصلحة مع تطلعات كل من يعتمد على كفاءة وصحة الأسواق المالية، سواء من مدخرين أم أصحاب معاشات وشركات تبحث عن التمويل والنمو. وما الذي يثير قلقنا تحديداً؟

أولاً، إن صوت المساهمين يتعرض للتهميش. إذ يتزايد عدد الشركات التي تطرح أسهمها بفئات متعددة تتيح للمؤسسين وكبار المالكين الاحتفاظ بالسيطرة والتحكم الكامل.

ورغم أن هذه الهياكل قد تشجع مؤسسي الشركات الناشئة على الطرح العام، وهو توجه ندعمه بالكامل، إلا أنه يجب أن يستعيد السهم قوته التصويتية المتساوية مع مرور الوقت.

ثانياً، تخضع متطلبات الإفصاح والتقارير المالية لضغوط متزايدة في أسواق عدة.

ولأن المساهم لا يستطيع الاطلاع المباشر على خبايا إدارة الشركة أو التحقق من أداء الإدارة التنفيذية لمصلحته، فإنه يعتمد كلياً على الإفصاحات الدورية. ونحن نرحب بالتأكيد بتخفيض أي تكاليف إدارية لتقارير لا طائل منها، وهو موقف طالما طالبنا به.

لكننا نرفض تماماً حجب أو تقليص البيانات المتاحة للجمهور والتي يشكل الإفصاح عنها ركيزة أساسية لقرارات المساهمين.

ثالثاً، للمساهمين الحق الأصيل في تقاسم الأرباح والتوزيعات بنسبة تتناسب مع حصص ملكيتهم، كما يجب حمايتهم من أي صفقات أو معاملات تنقل الثروة إلى المالك المسيطر أو الإدارة التنفيذية على حساب بقية المالكين.

غير أن الضمانات الوقائية ضد هذه الممارسات تشهد تراجعاً في أسواق عدة، ما يقلل من قدرة المساهمين على كشف هذه المعاملات أو الطعن عليها.

رابعاً وأخيراً، نلاحظ تضييق نطاق اللجوء إلى القضاء والتقاضي. فالحق يفقد قيمته ما لم تقترن به سبل حمايته. ويجب أن يمتلك المساهمون حرية اختيار المحاكم والجهات القضائية لإقامة الدعاوى ومتابعتها دون تكاليف باهظة أو تسويف ومماطلة.

وإذا كانت الضمانات ضد الدعاوى الكيدية والمفتعلة أمراً منطقياً، فإن الضمانات التي تعطل الدعاوى المستحقة وتضعف الحماية العامة لجميع المساهمين تعد إجراءات غير مقبولة.

قد تبدو كل خطوة من هذه التغيرات منفردة إجراءً مقبولاً أو تدبيراً بسيطاً، غير أنها في مجموعها تمثل تراجعاً نتيجته إضعاف حقوق المساهمين.

إن هدفنا هو تشجيع المزيد من الشركات على الانضمام إلى الأسواق المالية لا تقليلها؛ ولذا نرى عدم إثقال كاهل الإدراج بشروط وإجراءات معقدة لا داعي لها.

غير أن الأمر يتطلب موازنة حذرة؛ فلا ينبغي أن يتحول التنافس بين المراكز المالية العالمية إلى سباق على من يقدم ضمانات وحقوقاً أقل للمستثمرين.

نحن ندعم المنافسة والسرعة ونسعد بالمنافسة القوية، لكننا نرفض الممارسات التي قد تنتهي بنا إلى تدني المعايير وتراجع جودة البيئة الاستثمارية.

ونؤكد أن لكل طرف في السوق دوراً ومصلحة مباشرة في صيانة هذه الحقوق وحمايتها، غير أن أحداً لا يستطيع القيام بهذا الدور بمفرده.

ويجب على الجهات التنظيمية والرقابية الحفاظ على استقرار أطرها التشريعية، ما يشكل في حد ذاته صورة من صور حماية المستثمرين. وعلى البورصات أن تتمسك بمعايير الحوكمة التي وضعتها، حتى وإن اشتدت المنافسة لجذب الطروحات الجديدة.

كما ينبغي لمزودي المؤشرات المالية إعطاء وزن حقيقي لقواعد الحوكمة ضمن شروط الانضمام للمؤشرات، والتي أصبحت تحدد وتوجه استثمارات الكثيرين.

وعلى مجالس إدارات الشركات حماية حقوق المساهمين من خلال اتخاذ قرارات حوكمة سليمة، بما في ذلك اختيار مقر التأسيس وبورصة الإدراج. وأخيراً، يجب على المستثمرين أنفسهم ممارسة حقوقهم والوقوف بقوة لدعم جهود حمايتها.

إن العقد الضمني لشراء الأسهم قام في الأساس على أرضية صلبة من حقوق المساهمين القوية، ولن يحافظ هذا العقد على قوته واستمراره ما لم يتحمل الجميع مسؤولياتهم للدفاع عنه.