غياب المرونة الاقتصادية يضيّق خيارات البنوك المركزية

سواتي دينغرا- عضوة خارجية في لجنة السياسة النقدية ببنك إنجلترا

أعادت التوترات في الشرق الأوسط، إلى جانب الاضطرابات المتواصلة في حركة التجارة العالمية، ملف الطاقة إلى صدارة أولويات مسؤولي البنوك المركزية، خصوصاً في الدول التي تعتمد على استيراد النفط والغاز.

وفي المملكة المتحدة، تشير التوقعات إلى احتمال وصول معدل التضخم إلى 4 % العام المقبل، بالتزامن مع ظاهرة «إل نينيو»، التي تهدد بزيادة الضغوط على أسواق السلع الأساسية الأخرى.

وتصاعد حدة التوترات، سواء على صعيد المناخ وارتفاع درجات الحرارة عالمياً، أو على صعيد العلاقات بين القوى الكبرى، يعني أن الأسعار في المملكة المتحدة وغيرها من الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة أصبحت تتأثر بقوة بعوامل خارجة تماماً عن نطاق قدرة السياسة النقدية.

وقد دفعت هذه الوتيرة المتزايدة من صدمات المعروض العالمي صناع السياسات لإعادة تقييم المقومات الفعلية الكفيلة ببناء مرونة اقتصادية حقيقية.

وفي المملكة المتحدة، يأتي هذا الموقف بعد سلسلة متعاقبة من الأزمات الجيوسياسية والمالية، التي ترافقت مع ضعف نمو الإنتاجية المحلية، ما وضع قدرة الدولة على حماية رفاهية المجتمع وتنافسيتها الاقتصادية تحت اختبار حقيقي.

لذلك، لم يكن مستغرباً أن تولي لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا اهتماماً أكبر بالتطورات الخارجية، إدراكاً منها للظروف الدولية التي تقف خلف التضخم. غير أن رفع أسعار الفائدة لن يفتح ممراً بحرياً مغلقاً، ولن يعوض مورداً خضع للعقوبات، كما أنه لن يصلح علاقة تجارية متضررة. وهو أمر جوهري عند تقييم أسلوب الاستجابة المناسب للسياسة النقدية.

وفي مثل هذه الظروف، تعمل السياسة النقدية على كبح التداعيات الثانوية وإعادة التضخم إلى المستهدف. لكن الفترة الزمنية التي يستغرقها هذا المسار، وحجم التكلفة التي يتحملها النشاط الاقتصادي المحلي والطاقة الإنتاجية، يعتمدان بالكامل على مدى مرونة جانب العرض في الاقتصاد.

وستواصل لجنة السياسة النقدية السعي لتحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في استقرار الأسعار في جميع الأوقات. إلا أن صناع السياسات يجب أن يدركوا أن الاستجابة لصدمات المعروض بعد وقوعها، سواء عبر سياسات مالية موجهة أم رفع أسعار الفائدة، يظل خياراً أقل كفاءة بكثير مقارنة باتخاذ تدابير وقائية وحمائية معالجة للمصدر الأساسي للمشكلة.

وتظل الطاقة المصدر الأكبر للمخاطر؛ فرغم زيادة توليد الطاقة المتجددة ذات التكلفة الحدية المنخفضة، إلا أن القفزات في أسعار الغاز تنتقل سريعاً إلى فواتير الكهرباء والمعدل الإجمالي للتضخم.

وأهمية الطاقة ليست أمراً مستجداً، ففي ثماني من كل عشر مرات تجاوز فيها التضخم في المملكة المتحدة مستوى 5 % منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة.

كما تلعب أنماط الطقس العالمية دوراً لا يقل أهمية. وتظهر تحليلات حديثة صادرة عن بنك إنجلترا أن الصدمات المناخية العالمية يمكن أن تترك أثراً ملموساً على أسعار الأغذية في المملكة المتحدة بعد مرور نحو عام.

فعلى سبيل المثال، وفي أعقاب ظاهرة «إل نينيو» بين عامي 2015 و2016، أدت الظروف المناخية القاسية إلى إضافة 1.7 نقطة مئوية إلى تضخم أسعار الأغذية في المملكة المتحدة عند ذروته في 2017.

ومع تشكل ظاهرة جديدة وقوية في الأفق، تتصاعد أهمية تلبية التوصيات بالنظر في تكوين مخزونات استراتيجية وطنية لحماية التوازن في أسواق السلع.

وهناك حاجة للنهوض بمستوى مشابه من الطموح في السياسات عبر مختلف السلع الأساسية وسلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الاقتصاد، من المنتجات الزراعية إلى المكونات الحيوية والمدخلات الصناعية التي تدعم البنية التحتية للطاقة والصناعات المتقدمة.

ولا شك في أن بناء هذه المرونة سيتطلب كلفة مالية، وسينافس أولويات أخرى تضغط على المالية العامة.

وتظل مسؤولية تحديد أولويات المبادرات واعتمادها واضحة ومهمة على عاتق الحكومة؛ فالتوترات التجارية والتغير المناخي والظروف الجيوسياسية لا تهم لجنة السياسة النقدية إلا بقدر ما تولده من ضغوط تضخمية وتأثيرات على حجم الناتج الاقتصادي. ويبقى تحقيق استقرار الأسعار هو أفضل مساهمة يمكن أن تقدمها السياسة النقدية.

رغم ذلك، وفي بيئة تفرضها صدمات كبيرة في جانب العرض وضغط في الاستثمارات المحلية، فإن رفع أسعار الفائدة لاستعادة استقرار الأسعار يترك الاقتصاد أكثر عرضة للصدمة التالية.

وفي غياب رؤية شاملة لبناء المرونة، فإن تراجع الطلب وتشدد الشروط المالية يحدان من توسيع الطاقة الإنتاجية في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليها.

وعندما يكون التضخم مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة أو الأغذية في الأسواق العالمية، لا تملك البنوك المركزية خياراً سوى الضغط بشكل أكبر على التضخم المحلي لإعادته إلى المستوى المستهدف.

وفي اقتصاد يعتمد بالأساس على الخدمات مثل المملكة المتحدة، يتحمل قطاع الخدمات الحصة الأكبر من هذا التكيف، ما يخلق ضغطاً أشد وأطول أجلاً على النمو.

ولا تملك الحكومة البريطانية ولا بنك إنجلترا القدرة على منع جفاف يضر بالحصول على المحاصيل، أو حرب تعطل خطوط الملاحة، أو تقلبات تجتاح أسواق الطاقة.

لكن الاتجاه نحو اتخاذ تدابير استراتيجية في جانب العرض من شأنه أن يرفع مرونة الاقتصاد الداخلي، ليكون أقل عرضة للتأثر عند وقوع تلك الصدمات.