الشركات الأمريكية تبتز الولايات بالهجرة حال عدم الاستجابة لمطالبها

رانا فوروهر

ازداد التمركز والتكتل في قطاع هوليوود عمقاً، ففي يوم الاثنين الماضي أزاحت شركة «بارامونت» العقبة الكبرى الأخيرة أمام صفقة استحواذها على شركة «وارنر بروس» البالغة قيمتها 111 مليار دولار، بعدما ألقت بكرتها الرابحة الحاسمة: ألا وهي التهديد بمغادرة ولاية كاليفورنيا.

وكان روب بونتا، المدعي العام لولاية كاليفورنيا، الذي قاد تحالفاً يضم 11 مدعياً عاماً من ولايات أخرى لمناهضة الصفقة، قد وصف هذه التهديدات بـ«الابتزاز»، لكن في نهاية المطاف تبين أن احتمال خسارة آلاف الوظائف النقابية وملايين الدولارات من الإيرادات الضريبية يمثل مخاطرة باهظة لا يمكن تحملها؛ حيث وافق بونتا على الصفقة دون إجبار الشركة على التنازل عن أصول رئيسية، وهو المطلب الأساسي الذي قاتل المدعون العموميون لأجله.

وليست «بارامونت» هي الشركة الوحيدة ذات العلامة التجارية المرموقة، التي تهدد بمغادرة معقلها التاريخي إذا لم تحصل على ما تريده من حكومات الولايات الأمريكية، ففي يونيو الماضي صوّت مجلس إدارة فريق «تشيكاجو بيرز» للكرة الأمريكية على نقل ملعبه من مدينة شيكاغو إلى مدينة هاموند بولاية إنديانا المجاورة، التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري، وتقدم دعماً مالياً، وإعفاءات ضريبية أكبر.

ولم يحتج إيلون ماسك، رئيس شركة «تسلا»، الذي انتزع إعفاءات وتسهيلات حكومية اتحادية ومحلية بمليارات الدولارات على مدار مسيرته، حتى إلى التهديد بمغادرة ولاية تكساس للحصول على الحوافز الضريبية، التي أرادها لإنشاء مصنع جديد للخلايا الشمسية بقيمة 10.1 مليارات دولار في هيوستن؛ إذ أقرت هذه المنطقة المحلية هذه الحوافز بالإجماع في سبتمبر الماضي من دون أي سجال علني.

ولم يعد سراً أن الولايات التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي، مثل كاليفورنيا ونيويورك وإلينوي وغيرها، أصبحت تخسر الأعمال والشركات لصالح الولايات الجمهورية المستعدة لتقديم ما تطلبه الشركات للانتقال إليها. ووفقاً لإحدى الدراسات تضاعفت حزم الدعم الحكومي والمحلي، التي تقدمها الولايات الزرقاء منذ عام 2008، حيث انتقلت معظم الشركات إلى ولايات مثل تكساس وكارولاينا الشمالية وفلوريدا وتينيسي وأريزونا.

وبحسب تقرير صدر عام 2026 عن شركة «سي بي آر إي» للخدمات والاستشارات العقارية التجارية يتصدر «المناخ الداعم للأعمال» وإمكانية الوصول إلى «كفاءات متنوعة ومتنامية» قائمة الأسباب الأكثر ترجيحاً للانتقال، إلى جانب الإعفاءات الضريبية، بناء على رصد حركة انتقال الشركات منذ عام 2018.

ويعكس ذلك واقعاً ملموساً يتمثل في هجرة الأمريكيين أنفسهم منذ سنوات بعيداً عن الولايات الساحلية مرتفعة التكلفة، التي يغلب عليها الطابع الليبرالي، وتعد تكاليف المعيشة المرتفعة السبب الأكبر وراء هذه الهجرة الجماعية نحو الغرب والجنوب في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19».

إلا أن التحول نحو ثقافة أكثر تحرراً اقتصادياً يمثل عاملاً حاسماً أيضاً، فالأمريكيون يعتزون بحريتهم، ويرى كثيرون منهم أنهم يحصلون على قدر أكبر منها في المناطق التي تطبق أطراً تنظيمية ورسومات حكومية خفيفة.

وفي هذا الصدد وبينما توقع سياسيون في وقت سابق أن يسهم المهاجرون من الولايات الزرقاء إلى الولايات الحمراء سيحول المشهد السياسي في النهاية إلى توازن «أرجواني»، كما حدث في ولاية جورجيا التي شهدت تدفقاً كبيراً للأمريكيين من أصول أفريقية من شمال شرق البلاد.

إلا أن كثيراً من المهاجرين الذين يغادرون المناطق الساحلية إلى الولايات الجمهورية هم من المحافظين أنفسهم، فقد كشفت دراسة أجراها معهد السياسات العامة في كاليفورنيا أن 39 % من ناخبي الولاية، الذين غادروها بين عامي 2020 و2024 كانوا من الجمهوريين، مقارنة بـ 25 % فقط من إجمالي ناخبي الولاية، بالتالي أدى النزوح عن كاليفورنيا إلى ترسيخ الاستقطاب الحزبي.

ويتسبب هذا الاستقطاب بدوره في استمرار ظاهرة استغلال التباين في القوانين واللوائح، حيث يطالب الناخبون في الولايات الديمقراطية بفرض ضرائب أعلى على الشركات والأثرياء، بينما تندفع الولايات الجمهورية بقوة نحو تطبيق سياسات خفض الضرائب وتحفيز الأعمال وتقليل القيود التنظيمية.

ومع استمرار هذا التباين السياسي، وصياغة قواعد مختلفة لملفات مثل الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وحوكمة الشركات، وتقسيم الأراضي، فإن هجرة الشركات نحو الولايات الجمهورية مرشحة للزيادة، واستعداد الولايات للمساومة والإذعان للحفاظ على تلك الشركات قد يرتفع أيضاً.

فالعديد من الشركات الكبرى، رغم كل التحديات الجيوسياسية، لا تزال تتمتع بتدفقات نقدية وفيرة، وتتوقع تحقيق أرباح أعلى في المستقبل. وفي المقابل تتزايد مستويات الدين العام والفيض في العجز الاتحادي بالولايات المتحدة، وهو أمر لاحظته أسواق السندات بوضوح.

كما تخضع ولايات مثل كاليفورنيا وبنسلفانيا ونيويورك وميريلاند وواشنطن لضغوط مالية شديدة؛ بعدما استنفدت الفائض المالي المسجل في مرحلة الجائحة، مع ارتفاع تكاليف التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، ولن تكون معدلات الفائدة المرتفعة عوناً لها في هذا الصدد؛ إذ ستكون الولايات الكبرى بحاجة إلى تدفقات نقدية إضافية في القريب العاجل.

ويمنح هذا الاختلال في التوازن الشركات قوة تفاوضية أكبر، وتؤكد حالة «بارامونت» أن الولايات أبدت استعداداً ليس فقط لتقديم الدعم والإعفاءات الضريبية لإبقاء الشركات، بل وأيضاً لتأجيل أو تعطيل الإجراءات التنظيمية والرقابية ضدها، وهناك أمثلة أخرى أدت فيها تهديدات الشركات بالهجرة إلى تعديل القوانين نفسها.

فعندما نجحت ولايتا تكساس ونيفادا في جذب شركات عدة بعيداً عن ولاية ديلاوير، التي تعد الموئل التاريخي لتأسيس الشركات، بادرت ديلاوير إلى تخفيف قوانينها التنظيمية في محاولة لكبح هذا التدفق.

غير أن هذا السباق نحو القاع سيكون في النهاية لعبة خاسرة، لأنه لن يغير المقومات الاقتصادية الهيكلية للولايات مرتفعة التكلفة، التي تتركز أساساً في تكاليف العقارات وأجور العمالة، كما أنه قد يستنزف المالية العامة للولايات الجمهورية، التي تقدم وعوداً سخية وغير واقعية للشركات.

وتظهر البحوث الاقتصادية أن ذلك قد يؤدي بدوره إلى تراجع جودة الخدمات العامة التي كانت في الأصل سبباً رئيسياً لجذب الشركات إلى موقعها الجديد.

ومع تزايد الضغوط التي تمارسها الشركات يجدر بالمسؤولين الحكوميين تقييم التهديدات بدقة لمعرفة ما إذا كانت جادة وحقيقية، فقد أظهرت دراسة بحثية أن الحوافز المقدمة للأعمال بين عامي 1990 و2015 تضاعفت ثلاث مرات كنسبة من «القيمة المضافة» للشركات خلال تلك الفترة.

لكنها لم تؤثر في قرارات نقل الموقع أو التوسع أو البقاء إلا لنسبة 25 % أو أقل من الشركات التي حصلت عليها، وهذا يعني أن هجرة الشركات قد تحدث في جميع الأحوال، سواء قدمت الولايات حوافز مالية ضخمة أم لم تقدم.