ستيوارت كيرك
في عالم المال والأعمال، لا يغيب دعاة التشاؤم والاستعداد للكوارث أبداً؛ كل ما في الأمر أنهم يغيرون القضية التي يثيرون حولها الذعر، بحسب ما يلقى رواجاً لدى الجمهور. غير أن النهج والحجج التي يعتمدون عليها، غالباً ما تبقى هي نفسها.
ومن هنا، لا ينبغي أن نندهش حين نرى «المبشرين بالكوارث»، الذين تنبؤوا بالأمس بانهيار الأسواق المالية بسبب تغير المناخ، بدءاً من مسؤولي البنوك المركزية، مروراً بصناديق التقاعد التي تتبنى أجندات «الصحوة»، وصولاً إلى الاقتصاديين المتشدقين بالمواقف التقدمية، الذين يلقون باللائمة اليوم في «الهلاك المالي المحتوم» على الاقتراض الحكومي المفرط.
ومن يستطيع أن يلومهم على ذلك؟ لكن تظل المخاطر المالية الناجمة عن المناخ قليلة، وقد تجاوزها المستثمرون بالفعل.
ورغم أن عدد القضايا الذي يطغى اليوم على ملف الديون السيادية قليل، إلا أنه كان من المفترض أنه تم الاستفادة من دروس الماضي. إلا أن الواقع يشير إلى تكرار تقديم الحجج الخاطئة نفسها.
الخطأ الأول هو الادعاء بأن انفجار الديون وشيك الوقوع؛ تماماً كما قيل لنا سابقاً، إن علينا تطبيق خصومات مخاطر المناخ على تقييمات الأسهم بشكل فوري. وصحيح أن الإفلاس يحدث بسرعة في نهاية المطاف، كما يقول المثل القديم، لكن الدين العام الياباني تجاوز نسبة 100 % من الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 15 عاماً دون انهيار.
وفي عام 2010، نشرت كارمن راينهارت وكينيث روغوف ورقة بحثية، تزعم أن النمو الاقتصادي ينهار عندما تتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي 90 %.
وقد ثبت خطأ هذه المقولة، ليس فقط بسبب الخطأ الحسابي الشهير الذي وقعا فيه، بل لأن الفرضية كلها غير دقيقة. ولم تنهر أسهم النفط والغاز بسبب «مخاطر التحول» إلى الطاقة النظيفة. ما يعني أن التنبؤ بالمستقبل دائماً صعب.
أما الخطأ الثاني المتكرر، فهو الهوس بجانب واحد فقط من الدفتر المحاسبي. على سبيل المثال، يعد فرض أهداف «صافي الانبعاث الصفري» على الشركات البريطانية قسراً، أمراً منافياً للمنطق، في وقت لا تتجاوز فيه حصة المملكة المتحدة 0.8 % من انبعاثات الكربون العالمية، لأن العبرة بإجمالي الانبعاثات، والمهم هو إجمالي الانبعاثات، وليس مكان خفضها.
وفي ملف الديون، رغم أن التوزيع الجغرافي ذو أهمية، إلا أنه لا توجد مشكلة بالنسبة لكوكب الأرض ككل؛ إذ إن التزامي المالي هو أصل مالي بالنسبة لك، وهما يتعادلان تماماً. لذا، يجب النظر دائماً إلى جانبي الميزانية العمومية.
وكما ينبغي مقارنة الديون السيادية بإجمالي أصول الدولة، أظهرت تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2018 أن قيمة الأصول العامة في 31 دولة، بلغت أكثر من 100 تريليون دولار (ما يعادل 220 % من الناتج المحلي الإجمالي).
كما تشير بيانات معهد «ماكينزي العالمي»، إلى أنه في حين تتكافأ الأصول والالتزامات المالية العالمية، وتلغي بعضها بعضاً، فإن صافي الأصول غير المالية يتجاوز 600 تريليون دولار.
أما الخطأ الثالث المشترك، فهو التركيز المفرط على «الحد من الآثار»، وتجاهل «التكيف».
فالمهووسون بمخاطر المناخ يفضلون الخيار الأول، لأنه يركز على تقليل الانبعاثات منذ البداية، وهو ما يشبه مطالبات الاقتصاديين للساسة بتقليل الاقتراض والإنفاق.
إلا أن «التكيف» هو خيار الحاضر والواقع؛ وهو يعني بناء المصدات البحرية وتركيب أجهزة التكييف. وبالمثل، يمكن للدول أن تفعل الكثير لتفادي الوقوع في العجز المالي، ومن بين الخيارات الشائعة سياسة «القمع المالي».
فقد كشفت أبحاث راينهارت وماريا بيلين سبرانسيا، أن أسعار الفائدة الحقيقية في الاقتصادات المتقدمة كانت سالبة طوال نصف الفترة الممتدة من 1945 إلى 1980 تقريباً، ما أدى في الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تآكل الديون بمعدل تراوح بين 3 % و4 % من الناتج المحلي سنوياً.
ومن الحيل الأخرى، السماح للتضخم بالارتفاع تدريجياً، أو ترك الاقتصاد ينمو بسخونة مفرطة، أو الجمع بينهما. وهي استراتيجية نجحت في تقليص مستويات الديون الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. ناهيك عن التكتيك الكلاسيكي المتمثل في تغيير قواعد اللعبة. ففي عامي 1933 و1971، تم تسديد مستحقات حاملي السندات الأمريكية «بالكامل»، ولكن من دون الذهب الذي وعدوا به!
ثم هناك خيار طبع النقد، لكنه لا يفيد إلا لمن يريد الحفاظ على ملاءته المالية بعملته الوطنية فقط. أما لتفادي التعثر الحقيقي في الحالات القصوى، فلا بد من وضع اليد على موارد حقيقية، كالسلع أو المعادن النفيسة أو سيولة الآخرين.
وهذه الحيلة قديمة قدم التاريخ، بدءاً من استيلاء الإمبراطور تراجان على ذهب داقية (رومانيا الحالية). واليوم، تمتلك النرويج صندوقاً سيادياً بقيمة 2.3 تريليون دولار، بينما لا يتجاوز عدد قواتها المسلحة 25 ألف جندي، وهو سيناريو قد يبدو مغرياً للغاية لبعض الدول المتأرجحة قبل نهاية هذا القرن!
ونأمل ألا تصل الأمور إلى هذا الحد. وإذا لم تبلغ ذلك، فإن السبب الأرجح سيكون التقدم التكنولوجي.
والواقع أن الاستهانة بهذا العامل هو الخطأ الرابع الذي يقع فيه دعاة التشاؤم المناخي والمالي، على حد سواء.
فكما انخفضت تكلفة الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية بأكثر من 90 % منذ عام 2010، يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تحفيز النمو الاقتصادي بقوة، ما يرفع «المقام» في نسبة الدين إلى الناتج المحلي.
وحتى لو أدى الذكاء الاصطناعي إلى محو البشرية، فإن المدينين في العالم سيكونون هم الرابحين في كل الأحوال! وهذا يقودني إلى الخطأ الأخير في التقدير: الهوس المطلق بالأجيال القادمة، وهي أجيال لا يمكننا أبداً معرفة حجم ثرواتها أو أعدادها أو عاداتها أو رغباتها. إن تقديم احتياجاتهم على احتياجاتنا الراهنة، عبر التضحية بالنمو والاستثمار على مذبح أهداف بعيدة المدى، لا يمثل بالضرورة سياسة حصيفة.
من يدري ما إذا كانت الحكومات المثقلة بالديون على وشك الانهيار؟ لقد حدث ذلك مراراً وتكراراً في التاريخ. لكن كل ما هنالك هو ضرورة توخي الحذر تجاه الحجج التي يتم تقديمها للتنبؤ بهذا الانهيار. وملاحظة أننا سمعنا الحجج نفسها مؤخراً بشأن توقعات أخرى لم تتحقق على أرض الواقع.