ريتشارد واترز وميكائيل بيل
قبل عامين، فضل عالم فيزياء الكم دوليف بلوفشتاين شغل منصب أكاديمي على الانخراط في عالم الأعمال، بعدما خلص إلى أن الحواسيب الكمومية العملية «ما زالت بعيدة المنال عن التسويق التجاري».
لكن المشهد اليوم مختلف تماماً؛ إذ نجحت شركة «أوراتوميك»، التي شارك بلوفشتاين في تأسيسها ويرأسها حالياً، في جمع 300 مليون دولار في أكبر جولة تمويل أولية لشركة ناشئة في مجال الكم، والدخول في سباق لبناء حاسوب كمومي كامل المقياس قبل نهاية العقد. ويعكس هذا التحول موجة تفاؤل اجتاحت القطاع، مدفوعة باختراقات تقنية أنعشت الآمال بقرب تسخير عالم الكوانتوم الغريب لتشغيل نمط جديد من الحوسبة، في حلم يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي.
وخلافاً لبتات الحواسيب التقليدية، يمكن للبتات الكمومية المعروفة باسم «كيوبتس» أن توجد في حالة مزدوجة من القيمتين صفر وواحد، وأن تدخل في حالة «التشابك الكمومي». وتأمل الصناعة تسخير هذه الخصائص لإنتاج أجهزة قادرة على حل مسائل تتجاوز كثيراً قدرات التكنولوجيا الحالية.
وأدى تغير المزاج إلى طفرة استثمارية؛ فقد تم ضخ أكثر من 4 مليارات دولار من رأس المال الجريء في شركات الكم هذا العام، حسب «بيتشبوك»، أي ما يعادل تقريباً إجمالي استثمارات القطاع في 2025، والذي ساوى بدوره استثمارات السنوات الأربع السابقة مجتمعة. وشهدت أسواق الأسهم أيضاً نشاطاً متسارعاً، مع الطرح العام الأول لـ«كوانتينوم»، وإدراج أول شركة كمومية أوروبية، الفنلندية «آي كيو إم (IQM).
لكن مع اتساع دائرة المستثمرين، تتزايد الأسئلة، متى ستصبح الحواسيب الكمومية قادرة على حل مشكلات تجارية حقيقية؟ وهل ستكون مفيدة فيما يتجاوز نطاقاً ضيقاً من المهام؟ وأي تقنية ستكون في موقع أفضل لجني الأرباح؟
ويصف كريستوف يورتشاك، أحد مؤسسي «باسكال» (Pasqal) ورئيس «كوانتونايشن»، الحوسبة الكمومية بأنها «تكنولوجيا الخمس سنوات الدائمة»، تقنية تبدو قريبة من التحقق على أرض الواقع منذ سنوات، لكنها تظل بعيدة المنال. ويقول إنه رغم التقدم الملموس، فإن «كل خطوة إلى الأمام تكشف عن قيود جديدة»، ما يؤدي باستمرار إلى إزاحة خط النهاية.
ويرى كثير من المختصين أن المشكلات العلمية الأساسية أصبحت مفهومة، وأن ما تبقى مسائل هندسية أكثر قابلية للحل. رغم ذلك، لا تزال الشركات الكبرى تتحوط في رهاناتها. فـ«جوجل» و«أي بي إم»، اللتان تعملان على الحواسيب ذات الموصلات الفائقة، تختبران بدائل؛ فأطلقت «جوجل» برنامجاً للذرات المحايدة، وهي التقنية التي تستخدمها «أوراتوميك»، فيما استحوذت «أي بي إم»، في يوليو على شركة تطور كيوبتات قائمة على «دوران السيليكون».
وشهد القطاع إعلانات عن «التفوق الكمومي»، أي تفوق الحاسوب الكمومي على التقليدي في مهمة معينة، لكن هذه التجارب لم تنتقل بعد إلى التطبيق التجاري. ويرى يورتشاك أن القطاع لم يبذل ما يكفي لإخراج التكنولوجيا من المختبر ووضعها في أيدي المهندسين القادرين على تطوير تطبيقات عملية.
ويقول جيمس باليس-ديموك، الرئيس التنفيذي لـ«كوانتوم موشن»: إن القطاع يحتاج أيضاً إلى طرق أقل كلفة لبناء أجهزة واسعة النطاق. ويضيف: «الخطأ الذي وقع فيه الناس هو الاعتقاد بأن الحوسبة الكمومية مجرد سحر محض، وبالتالي تستحق البناء بأي تكلفة، وهو أمر غير صحيح».
وتتركز معركة الجدوى التجارية حول سؤال بسيط، فيما ستستخدم الحواسيب الكمومية الأولى؟ حتى الآن، لم تطور خوارزميات تعد بتسريع هائل إلا لنوعين رئيسيين من المهام.
الأول هو كسر أكثر أشكال التشفير شيوعاً، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية ضخمة، لكنه على الأرجح لن يخلق سوقاً جديدة كبيرة لمعظم شركات الكم. أما الثاني، والأقرب تجارياً في نظر كثير من الشركات، فهو محاكاة الجسيمات دون الذرية والأنظمة الكمومية الموجودة في الطبيعة.
ويقول ستيف بريرلي، رئيس «ريفرلاين»: إن هذا الاستخدام متخصص للغاية، لكنه لا يعني ضيق الفرصة التجارية، إذ قد تمتد نتائجه من تطوير أدوية وتحسين البطاريات إلى معالجة مشكلات الطاقة والمناخ.
ويظل حجم عوائد شركات تكنولوجيا الكم مجهولاً. لكن بيتر باريت، الشريك في «بلاي غراوند غلوبال»، يتوقع صفقات لمشاركة الأرباح مع شركات الأدوية والكيماويات قد تدر على شركات الكم «مئات المليارات من الدولارات» خلال العقد المقبل.
وخارج التشفير ومحاكاة العالم دون الذري، زعمت شركات أن الحواسيب الكمومية ستفيد في تحسين قطاع الأعمال. لكن جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا»، قال إن التكنولوجيا الحالية قادرة بالفعل على معالجة هذه المسائل. ويرى يورتشاك أن الخوارزميات المتاحة تكفي ولا توجد حاجة إلى الدقة العالية التي قد توفرها تكنولوجيا الكم.
رغم ذلك، يعتقد مسؤولون في القطاع أن القيمة لن تقتصر على قدرات الأجهزة. ويتوقع نيكولو دي ماسي، الرئيس التنفيذي لـ«أي أون كيو»، أن تأتي «غالبية القيمة» من الخوارزميات التي تحقق «تسريعاً»، كإنجاز مهمة في 17 دقيقة بدلاً من 24 ساعة، ما قد يكون بالغ القيمة للبنوك وشركات التداول.
وكما في البدايات الأولى لرقائق أشباه الموصلات، قد يكون من المبكر تحديد نطاق التطبيقات. لكن يان غوتز، الرئيس التنفيذي لـ«آي كيو إم كوانتوم كومبيوترز»، يتوقع «فك شفرة المزيد والمزيد من الخوارزميات والتطبيقات» مع تطور التكنولوجيا.
ويبقى الأمل الأكبر في أن تكشف هذه التطبيقات عن تحولات جوهرية. فقد طرح باحثون من «جوجل» و«أوراتوميك» هذا العام تقنية قالوا إنها قد تضاعف سرعة معالجة مجموعات البيانات الضخمة، ووصفها بلوفشتاين بأنها أول بحث «يثبت وجود ميزة حقيقية للكم يمكن تحقيقها في مجال تعلم الآلة».
وقد تفتح مثل هذه الأبحاث الباب أمام حقبة تغير فيها الحوسبة الكمومية الذكاء الاصطناعي. لكن حتى مع اقتراب أجهزة الكم العملية من الواقع، لا تزال هذه الآمال بعيدة المنال.

