فينسنت مورتيير
عند إدراج أصل من الأصول في سوق الأسهم يفترض أن يكون قابلاً للتداول دون خصم، وتعرض أسعار الأوراق المالية في الوقت الفعلي، لكن هذه الأسعار تكون صالحة فقط إذا كان بالإمكان التداول بها. ومع ذلك يتزايد عدد الحالات التي لا يمكن فيها القيام بذلك، فماذا تكون المشكلة الرئيسية هنا؟
إنها السيولة، أو بالأحرى نقصها في الأوقات التي نكون فيها بأشد الحاجة إليها، ونشهد حالياً أزمات سيولة أكثر قوة وحدة من ذي قبل، فوفقاً لأبحاث شركة «أموندي» فإن تأثير تداول أسهم بقيمة 50 مليون دولار (حيث يكون هذا التداول ضمن 10% من حجم التداول اليومي) قد تضاعف خلال فترات التوتر منذ عام 2021، بل وصل إلى أربعة أضعاف في أيام معينة خلال جائحة «كوفيد 19».
إن هذا التغيير يشبه الأعاصير في الولايات المتحدة: التردد هو ذاته، ولكن القوة أصبحت أعنف، والضرر بالتالي أصبح أشد كثيراً.
هل تذكرون أزمة سوق السندات الحكومية البريطانية في سبتمبر 2022؟ عندما ارتفعت عوائد السندات من نحو 3.5 % قبل بضعة أيام من إعلان الميزانية المصغرة إلى حوالي 4.5 % بعد يومين فقط، مما يمثل تغيراً بنسبة 28 % خلال خمسة أيام فقط، أو تذكرون انهيار تداولات الين الياباني - الذي يعتمد على الاقتراض في بلد ذي معدلات فائدة منخفضة لتمويل استثمارات في أصول تقدم عوائد أعلى - في أغسطس 2024.
خلال تلك الفترة انخفض مؤشر «نيكي 225» بنسبة 19 % بين 31 يوليو و5 أغسطس، بينما ارتفع الين بأكثر من 7 % مقابل الدولار خلال تلك الفترة.
إن المستثمر اليوم يتعين عليه مواجهة صفقات مزدحمة طويلة الأجل واستثمار مدفوع بالزخم على نطاق لم نشهده من قبل، ويمكن أن تخفي هذه الصفقات السيولة الأساسية الضعيفة في التداولات، وإما أن تكون الصفقات في اتجاه واحد، ولا يمكن العثور على السيولة في حالة الأزمة، أو قد يبدو أن هناك وفرة في السيولة ولكنها مدفوعة بالزخم أو من قبل المستثمرين المعتمدين على الأساليب الكمية، وتنفد عندما يتغير السوق.
نحن الآن نعيش مرحلة يصبح فيها مديرو المحافظ الاستثمارية مطالبين برؤية السيولة كعنصر أساسي في الاستثمار، تماماً كما يفعل مع مخاطر الائتمان، والتقلبات، أو الارتباطات. وبالطبع هذا يضيف المزيد من التعقيد، لكن إذا أخطأوا في تقدير السيولة وإدارتها في محافظهم الاستثمارية فقد ينهار أداؤهم الاستثماري في غضون 48 ساعة، ويكونون مطالبين باسترداد الاستثمارات فيما يملكون استثمارات غير سائلة بما فيه الكفاية.
هنا الأمور تبدو مقلقة، لكنها ليست سيئة تماماً، فالأحداث المتطرفة المتعلقة بالسيولة، والتسعير الخطأ الذي يصاحبها، تجلب الفرص للمستثمر النشط، فالبائع القسري لأصل جيد في الأساس يمنح قيمة مستقبلية للمستثمر الجريء.
ونظراً لأن صدمات السيولة تؤثر على أنواع مختلفة من الاستثمارات بشكل غير متساوٍ، يمكن للمستثمرين استخدامها كوسيلة لإعادة توازن محافظهم بتكلفة تكون في الأوقات العادية مرتفعة جداً، وقد تصبح الاستثمارات البديلة في مجالات يصعب الوصول إليها، مثل الديون المتعثرة أو الأسهم الخاصة، متاحة بشروط أكثر جذباً. وبالمثل يمكن أن توفر الفروقات في تسعير الأصول فرصاً ميسورة التكلفة، سواء لانتزاع الأرباح أو تأمين الحماية ضد الخسائر في حين أن معظم المستثمرين يتجاهلونها.
إضافة إلى ذلك فإن أحد الآثار المهمة، ولكن الأقل تعرضاً للنقاش لصدمات السيولة الحادة الجديدة هو كيفية إضعاف المنافسين، من خلال الضغط على المستثمرين الذين لم يكونوا مستعدين بشكل كافٍ، وبات من الممكن الآن أن تكون المستثمر الأفضل استعداداً، فعلى الرغم من أن مخاطر السيولة لا تزال تفتقر إلى الأهمية، وإلى البحث الكافي، إلا أن السيولة لم تعد مسألة مستعصية.
إنه باستخدام أدوات البيانات الضخمة اليوم يمكن التنبؤ بشروط السيولة وإدارتها بشكل نشط، كما يمكن بناء نماذج للسيولة المستقبلية وتكاليف التداول، وهذه النماذج تقدر سيولة كل ورقة مالية على حدة عن طريق تحديد أقصى حدود للعرض والطلب، وهذا يمنح المدير معلومات حول مقدار المحفظة القابلة للبيع بتكلفة مقبولة.
ويتطلب هذا النوع من النمذجة مجموعات بيانات ضخمة جداً وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع معالجة مليارات من نقاط البيانات وتنفيذ محاكاة معقدة، ولا توجد أزمات سيولة متشابهة تماماً، وتختلف أقصى حدود العرض والطلب من ورقة مالية إلى أخرى. والقيام بذلك ليس بالأمر البسيط، ولا الرخيص، لكنه فعال وأصبح ضرورياً بشكل متزايد بالنظر إلى الطريقة التي تتطور بها الأسواق.
في الماضي لم يكن هذا التحليل ممكناً. لم تكن البيانات متوفرة، ولا الأدوات التي يمكن استخدامها للتنبؤ بما سيحدث من حيث السيولة. وقد يُتهم المستثمرون الذين يتوقعون بشكل نشط تغييرات في السيولة بـ«التشاؤم المتهور».
حيث يبحثون عن أسوأ السيناريوهات ويأخذونها بعين الاعتبار، مما يؤدي إلى تقويض احتمالية الحصول على عوائد معقولة، لكن إدارة السيولة بكفاءة يمكن أن تكون مصدراً للعوائد بالإضافة إلى كونها وسيلة لإدارة المخاطر بشكل سليم. واختبارات الإجهاد التي يتم تحليلها بالكامل هي وسيلة لتجنب الوقوع في فخ المفاجآت.
إن السيولة غير المتسقة تضر بالمستثمرين، لكن هناك الآن سائل لتحويلها إلى ميزة موجودة، وهي فقط بحاجة إلى من يتبناها.
