دواعي التفاؤل بمستقبل أسواق الأسهم

ماكس كيتنر- رئيس استراتيجيات الأصول المتعددة في بنك «إتش إس بي سي»

بالنظر إلى حجم التطورات السلبية التي كان على الأسواق التعامل معها خلال السنوات الخمس الماضية، بدءاً من الجائحة وصولاً إلى صدمات الطاقة، فلا يبدو شيء أكثر إثارة للإعجاب حقاً من احتفاظ الأصول الأكثر مخاطرة، وفي مقدمتها الأسهم، بمرونتها وقدرتها على الصمود.

وهناك سردية شائعة أن سبب التعافي الأخير يرجع إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه المحرك الوحيد لنمو أرباح الشركات القوي في الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح يحجب اتجاهات رئيسية أكثر اتساعاً في عرين الاقتصاد.

لكن حتى بعيداً عن قطاعي التكنولوجيا، ترتفع أرباح الشركات الأمريكية حالياً بنحو 50% فوق الاتجاه العام السائد قبل جائحة كوفيد. وكان ارتفاع معدل النمو الاسمي للاقتصاد وهبوط معدلات الضريبة على الشركات لأدنى مستوياتها منذ عقود، من أبرز العوامل الداعمة لهذا الأداء.

ومن منظور كلي شامل، هناك تناقض واضح بين ما يحدث في الواقع الاقتصادي وبين ما يتوقعه الخبراء والمحللون. فالخبراء تشاءموا وتوقعوا تراجع الاقتصاد وتوقف الأمريكيين عن الشراء، بينما أثبت الواقع أن المستهلك الأمريكي واصل الإنفاق والشراء بقوة عكس توقعاتهم.

ونتيجة لذلك، واصل الاقتصاد الأمريكي تحقيق نتائج إيجابية فاقت التوقعات مراراً وتكراراً. وتتعدد الأسباب الهيكلية الأخرى التي تقف وراء قوة أسواق الأسهم واستمرار زخمها.

أدى ارتفاع التضخم منذ عام 2021 إلى تغير في العلاقة بين سوقي الأسهم والسندات، حيث باتت حركة هذه الأصول تسير في الاتجاه نفسه بوضوح. ولم تعد السندات توفر التنوع المطلوب للمحافظ الاستثمارية كما كانت في السابق، ناهيك عن تحولها عن أداء دور التحوط.

ونتوقع أن يعني ذلك استمرار مخصصات الأسهم عند مستويات مرتفعة خلال الفصول القادمة، مع اتجاه كبار المستثمرين للبحث عن حماية من هبوط الأسواق عبر عقود الخيارات والاستراتيجيات الأكثر تعقيداً.

ولا تقتصر هذه المخصصات على دعم التقييمات المرتفعة للأسهم فحسب، بل تمتد لتشمل مروحة الأصول الأكثر مخاطرة بشكل عام.

وجاء نمو ثروات الأسر الأمريكية بدرجة أسرع بكثير مقارنة بمسار ما قبل الجائحة.

ولا يعود هذا الارتفاع إلى صعود أسواق الأسهم فحسب، بل إن قيمة الحيازات النقدية تتجاوز الاتجاه العام بنحو 50%.

وتتركز الغالبية العظمى من هذه الزيادة في ثروات الأسر ذات الدخل المرتفع، وهي الفئة التي لا تكتفي بالإنفاق الأكبر، بل تعيد استثمار جزء أضخم من ثرواتها في الأسواق المالية.

كثيراً ما تُعقد مقارنات بين الظروف الحالية والمرحلة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 - 2008. لكن ما تغفله هذه المقارنات هو أن البنوك المركزية تمتلك اليوم حزمة أدوات أوسع نطاقاً بكثير، وهي لا تتردد في ابتكار أدوات جديدة إذا دعت الحاجة، حتى في منتصف دورة رفع أسعار الفائدة.

وكان برنامج السيولة الطارئ الذي أطلقه مجلس الاحتياطي الفيدرالي في عام 2023 مثالاً جلياً على ذلك. وإن هذا الدعم الضمني ينعكس إيجاباً على تعزيز الشهية للمخاطرة.

ومقارنة بعقدي السبعينيات والثمانينيات، أصبح إنفاق المستهلكين على الطاقة وكثافة استهلاكها لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي أقل بكثير حاليا.

وهذا يعني أنه حتى مع تسبب الصدمات الجيوسياسية، مثل الحرب الروسية الأوكرانية أو الصراع في الشرق الأوسط، في رفع أسعار النفط، فإن الأصول الأكثر مخاطرة استوعبت هذه الصدمات وتجاوزتها بدرجة كبيرة.

رغم استمرار حالة الخمول في سوق السكن الأمريكي وارتفاع الفائدة، فإن متوسط السعر الفعلي على القروض العقارية القائمة يقل بنحو نقطتين مئويتين عن المعدلات المعروضة حالياً. كما أن النشاط العقاري لم يعد يملك الثقل التشغيلي نفسه الذي كان عليه قبل الأزمة المالية.

وتنسحب هذه الحساسية المنخفضة لأسعار الفائدة على المستهلكين والشركات بشكل عام؛ فعلى سبيل المثال، لم تصل نسبة أداء ديون الأسر الأمريكية إلى الدخل المتاح للتصرف فيه حتى إلى متوسط المستويات المسجلة في عقد 2010، ناهيك عن مستويات ما قبل الأزمة المالية.

أما بالنسبة للشركات، فقد تراجعت مدفوعات الفائدة الصافية إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من 20 عاماً، وتسجل مستويات قياسية من الانخفاض عند مقارنتها بأرباح الشركات التي بلغت مستويات قياسية مرتفعة.

كما أن نحو ثلثي السندات والقروض الخاصة بشركات مؤشر «إس آند بي 500» لن تستحق إلا بعد عام 2030، في حين لا تتجاوز نسبة الديون ذات الفائدة المتغيرة نحو 10% فقط في الوقت الراهن.

أسهمت التداولات البرمجية والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في تسريع تدفق المعلومات وتحديد أسعار الأصول. ونتيجة لذلك، باتت تراجعات الأسواق تحدث بشكل أسرع بكثير، غير أن التعافي ينطلق بالسرعة نفسها، ما يكرس ثقافة «الشراء عند الهبوط».

وتتضمن العوامل التقنية الأخرى تنامي الاستثمار في صناديق المؤشرات؛ إذ إن عمليات الشراء والبيع المرتبطة بإعادة توازن صناديق المؤشرات تسهم في امتصاص تقلبات أسواق الأسهم.

وكما هو الحال دائماً، تبقى هناك مخاطر قائمة قد تحد من النظرة المتفائلة، وقد نرى تراجعات قصيرة الأجل في الأصول الأكثر مخاطرة في المستقبل. غير أن قائمة العوامل الهيكلية الداعمة تبدو أطول وأقوى من أن تجعلني أنضم إلى معسكر التشاؤم.